شهدت جبهة جنوب لبنان، اليوم الأحد، تصعيدًا عسكريًا متسارعًا على الأرض، مع إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي توسيع عملياته البرية داخل الأراضي اللبنانية والسيطرة على قلعة “الشقيف” الأثرية والتلال الاستراتيجية المحيطة بها، بالتزامن مع هجمات صاروخية ومسيّرة أعلن “حزب الله” تنفيذها ضد مواقع وتجمعات إسرائيلية في شمال دولة الاحتلال، في تطور يعكس اتساع رقعة المواجهة الميدانية رغم استمرار اتفاق وقف إطلاق النار المعلن مؤخرًا، وسط تحركات سياسية وأمنية لم تنجح حتى الآن في احتواء التصعيد.
سيطرة قوات الاحتلال على قلعة الشقيف وتوسيع التوغل جنوبًا
أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، أن قواته أحكمت السيطرة على قلعة “الشقيف” التاريخية الواقعة في جنوب لبنان، إلى جانب التلال المرتفعة المحيطة بها، في خطوة وصفها مراقبون بأنها تمثل تقدمًا ميدانيًا نوعيًا بالنظر إلى الموقع الجغرافي الحساس للمنطقة وما تمنحه من قدرة واسعة على الرصد والمراقبة والتحكم بالنطاق الحدودي.
ونشر المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي “أفيخاي أدرعي” صورًا من داخل القلعة عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس”، وقال إن السيطرة على “الشقيف” ليست مجرد إنجاز عسكري، مضيفًا أنها تمثل “بحسب تعبيره” تحطيمًا جديدًا لرمزية حزب الله.
بين وعود الشعارات وحقيقة الميدان.. هنا الخبر اليقين. جنودنا يكتبون بوقفتهم على قلعة الشقيف فصلاً جديدًا من العزة 🇮🇱🇮🇱
لا يبنى المجد بالخطابات، بل بوقع خطى الجنود. السيطرة على قلعةالشقيف ليست مجرد إنجاز عسكري، بل هي تحطيم جديد لرمزية غرور حزب الله الارهابي الذي هددنا بالوهن… pic.twitter.com/WCSlyLaZES
— افيخاي ادرعي (@AvichayAdraee) May 31, 2026
أهمية استراتيجية وتاريخية للقلعة
وتُعد قلعة “الشقيف”، المعروفة أيضًا باسم “بوفورت”، من أبرز المواقع التاريخية في جنوب لبنان، إذ يعود تاريخ تشييدها إلى نحو 9 قرون، حين أقامها الصليبيون فوق هضبة صخرية مرتفعة تشرف على نهر الليطاني والجليل الأعلى.
وتبلغ القلعة ارتفاعًا يقارب 720 مترًا فوق سطح البحر، ما يجعلها من أعلى النقاط المشرفة على مساحات واسعة من جنوب لبنان وشمال دولة الاحتلال.
وتكمن أهميتها العسكرية في أنها تمنح من يسيطر عليها قدرة مباشرة على مراقبة المنطقة الممتدة بين نهرَي الليطاني والزهراني، وتشرف على سهل الحولة والجليل الأعلى، إضافة إلى مستوطنة “المطلة” وبلدات لبنانية عدة في محيط “النبطية” وإقليم “التفاح، وجبل الريحان”.
كما تضم القلعة ممرات وأنفاقًا تاريخية تمتد حتى محيط نهر الليطاني، ما يمنحها بعدًا دفاعيًا إضافيًا، إلى جانب وضعها الثقافي المحمي بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.
نتنياهو: الشقيف عادت إلى واجهة المعركة
وفي تعليق على التطورات الميدانية في جنوب لبنان، قال رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” في كلمة له، اليوم، إن القوات الإسرائيلية عادت إلى قلعة “بوفورت”، المعروفة بقلعة “الشقيف”، مؤكدًا أن السيطرة على الموقع تمت خلال الساعات الماضية على يد قوات وصفها بـ”المقاتلة في الخطوط الأمامية”.
وأضاف “نتنياهو” أن القلعة تمثل بالنسبة لإسرائيل موقعًا يرتبط بذاكرة المواجهات السابقة على الجبهة الشمالية، مشيرًا إلى أن العودة إليها تأتي هذه المرة، “وفق تعبيره”، في إطار موقف عسكري موحد وبقدرات أكبر من السابق.
הלוחמים הגיבורים שלנו כבשו את הבופור ואנחנו ממשיכים עד שנשלים את המשימה pic.twitter.com/j0oBy2z9cG
— Benjamin Netanyahu – בנימין נתניהו (@netanyahu) May 31, 2026
حزب الله يعلن سلسلة عمليات في شمال دولة الاحتلال
في المقابل، أعلن “حزب الله“، في سلسلة بيانات متتالية اليوم، تنفيذ عدة عمليات ضد مواقع إسرائيلية، قال إنها تأتي دفاعًا عن لبنان وردًا على خروقات وقف إطلاق النار والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على القرى الجنوبية.
وأوضح “الحزب” أنه استهدف تجمعًا لآليات وجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي في بلدة البياضة برشقات صاروخية، كما أعلن تنفيذ هجوم بطائرة مسيّرة انقضاضية على تجمع لجنود إسرائيليين داخل مهبط مروحيات في مستوطنة شلومي.
وأضاف “حزب الله”، أنه قصف بنى تحتية عسكرية إسرائيلية في نهاريا والكريوت شمال حيفا، إلى جانب استهداف قوة إسرائيلية عند الأطراف الشرقية لبلدة يحمر الشقيف بواسطة طائرة مسيّرة من نوع “أبابيل”.
صفارات إنذار واعتراضات في الشمال الإسرائيلي
من جهته، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أن صفارات الإنذار دوت ظهر، اليوم، في عدة مناطق شمال إسرائيل بعد رصد إطلاق صواريخ ومسيّرات من الأراضي اللبنانية.
وقال إن صفارات الإنذار التي انطلقت في كفار غلعادي والمطلة جاءت بعد رصد مقذوفين من لبنان، موضحًا أن سلاح الجو التابع له اعترض أحدهما فيما سقط الآخر في منطقة مفتوحة دون تسجيل إصابات.
وأضاف جيش الاحتلال أن صفارات إضافية دوت في عكا ومناطق أخرى شمالي إسرائيل بعد إطلاق عدة مقذوفات، مشيرًا إلى اعتراض أحدها وسقوط البقية في مناطق مفتوحة.
كما أعلن رصد هدف جوي بعد تفعيل صفارات الإنذار في كريات شمونة للتحذير من تسلل جسم جوي معادٍ، قبل أن يعلن انتهاء الحادث دون إصابات.
وتزامن ذلك مع إعلان الجبهة الداخلية الإسرائيلية تفعيل صفارات الإنذار في شوميرا ومسغاف عام وبلدات عدة في إصبع الجليل والجليل الأعلى.
غارات إسرائيلية جديدة على الجنوب اللبناني
وفي لبنان، أفادت وسائل إعلام محلية بتنفيذ غارات إسرائيلية جديدة استهدفت مدينة صور، إلى جانب غارات أخرى على البابلية في قضاء صيدا وخربة الدوير جنوب البلاد.
وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية إصابة 13 من العاملين في مستشفى حيرام بمدينة صور جراء غارة إسرائيلية استهدفت محيط المدينة.
موقف سياسي جديد من حزب الله
سياسيًا، تزامنت التطورات الميدانية مع رسالة جديدة لرئيس الهيئة الشرعية في حزب الله “محمد يزبك“، أكد فيها تمسك “الحزب” بجملة مطالب يعتبرها أساسية في أي مسار سياسي أو تفاوضي.
وقال إن هذه المطالب تشمل وقفًا شاملًا لإطلاق النار والاعتداءات البرية والبحرية والجوية، والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، وعودة الأهالي إلى بلداتهم وقراهم الحدودية، وإطلاق مسار إعادة الإعمار، والإفراج عن الأسرى، إلى جانب الانتقال إلى حوار داخلي حول استراتيجية دفاعية وطنية.
موقف لبناني رسمي وتحذير من اتساع التصعيد
وكان رئيس الوزراء اللبناني “نواف سلام” أمس السبت، قد أكد أن التصعيد الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة على الأراضي اللبنانية بلغ مستوى غير مسبوق، محذرًا من تداعياته الإنسانية والسياسية في ظل استمرار العمليات العسكرية على الحدود الجنوبية.
وقال “سلام” إن إسرائيل تواصل سياسة التدمير في المدن والبلدات اللبنانية وتدفع نحو مزيد من التهجير، مشيرًا إلى أن الحكومة تتابع التطورات ميدانيًا ودبلوماسيًا في إطار مساعٍ لاحتواء التصعيد.
وأضاف أن لبنان اختار مسار التفاوض باعتباره الخيار الأنسب لحماية البلاد في المرحلة الحالية، مؤكدًا أن الهدف الأساسي يتمثل في تحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، إلى جانب إعادة الأسرى وعودة النازحين وإطلاق مسار الإعمار.
وشدد “سلام” على أن الحكومة تتحرك باسم جميع اللبنانيين، وأن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى بيد الدولة، في ظل ما وصفها بواحدة من أصعب المراحل التي يمر بها لبنان في تاريخه الحديث.
وفي ظل استمرار التصعيد الميداني بين قوات حزب الله وجيش الاحتلال الإسرائيلي، تبدو جبهة جنوب لبنان أمام مرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المسارات السياسية.
وتبقى قلعة “الشقيف”، بما تختزنه من تاريخ طويل وموقع جغرافي بالغ الحساسية، واحدة من أبرز النقاط التي تعكس تعقيدات المشهد في جنوب لبنان، حيث تتقاطع رمزية المكان مع حسابات الميدان، وتبقى مرتبطًة بمعادلة السيطرة والمراقبة في واحدة من أكثر الجبهات توترًا في المنطقة.
اقرأ أيضا: مواجهات متواصلة جنوب لبنان رغم المفاوضات




