في وقت تتواصل فيه المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران بشأن تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز، تصاعدت حدة السجال السياسي والعسكري بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة حول نتائج الحرب الأخيرة وحجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية.
وبينما تؤكد طهران أن قواتها المسلحة ما تزال تحتفظ بكامل جاهزيتها وأن خصومها فشلوا في تحقيق أهدافهم الاستراتيجية، تتباين التصريحات الأمريكية والإسرائيلية بشأن حجم التأثير الذي أحدثته العمليات العسكرية ضد إيران، ما يعكس استمرار الخلاف حول تقييم مخرجات الحرب وموازين القوة في مرحلة ما بعد المواجهة.
ووفقًا لما نقلته وكالة “تسنيم” الإيرانية، اليوم الثلاثاء، أكد المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني اللواء “حسين محبي” أن المؤسسة العسكرية الإيرانية لا تزال في أعلى درجات الاستعداد، مشددًا على أن الساحة العسكرية تبقى المجال الرئيسي الذي يعتمد عليه خصوم إيران لتحقيق أهدافهم.
وقال “محبي” إن القوات المسلحة الإيرانية رفعت جاهزيتها إلى مستويات أعلى مما كانت عليه في السابق، موضحًا أن هذه الجاهزية لا تستند فقط إلى الإمكانات العسكرية المتراكمة، بل إلى الخبرات الميدانية التي اكتسبتها القوات الإيرانية خلال المواجهات المباشرة الأخيرة.
وأضاف أن أي عودة إلى المواجهة العسكرية ستشهد تغييرات جوهرية في طبيعة العمليات وجغرافية القتال ونوعية الأسلحة المستخدمة، مؤكدًا أن الحرس الثوري أعد نفسه للتعامل مع جميع السيناريوهات المحتملة.
وشدد المسؤول الإيراني على أن معرفة طهران بقدرات خصومها الهجومية والدفاعية وأساليب عملهم أصبحت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، معتبرًا أن هذه الخبرة عززت قدرات الردع الإيرانية.
ورفض محبي المزاعم الغربية والإسرائيلية التي تتحدث عن تراجع القدرات العسكرية الإيرانية، مؤكدًا أن القوة القتالية للبلاد لم تشهد أي تراجع خلال الحرب الأخيرة، وأن ما يُتداول بشأن تدمير القوة البحرية الإيرانية أو إضعاف القدرات العملياتية لا يعكس الواقع، بحسب تعبيره.
وأضاف أن الولايات المتحدة، رغم استخدامها قدرات واسعة برًا وبحرًا وجوًا، لم تتمكن من انتزاع السيطرة على مضيق هرمز ولو لفترة قصيرة، معتبرًا أن فشل واشنطن في فرض المعادلات التي سعت إليها في المضيق يشكل دليلًا على استمرار القدرات العسكرية الإيرانية وفاعلية منظومة الردع لديها.
مقر خاتم الأنبياء: لم نكشف جميع أوراق القوة
وفي السياق ذاته، قال مساعد شؤون التفتيش في “مقر خاتم الأنبياء” التابع للحرس الثوري، العميد “محمد جعفر أسدي”، في تصريحات لموقع “دفاع برس” الإيراني، إن إيران لم تكشف بعد عن جميع أوراق قوتها العسكرية، ردًا على ما وصفها بالادعاءات الغربية والأمريكية بشأن هشاشة القدرات الدفاعية الإيرانية.
وأكد أسدي أن طهران ما تزال تمتلك خيارات وإمكانات عديدة لم تستخدمها حتى الآن، مشيرًا إلى أن اللجوء إليها سيبقى مرتبطًا بالظروف والاحتياجات العسكرية.
وفي معرض حديثه عن واقع الصناعات الدفاعية الإيرانية، أقر المسؤول العسكري بتعرض بعض المرافق الدفاعية لأضرار خلال الحرب الأخيرة، لكنه أكد أن مواقع الإنتاج الحالية الخاصة بالمعدات العسكرية ودعم القوات المسلحة ما تزال بعيدة عن أعين الخصوم، وأنهم لا يملكون معلومات عن أماكنها، مضيفًا أن وضع قطاع التصنيع الدفاعي الإيراني لا يزال مقبولًا.
وأضاف “أسدي” أن أي تحرك جديد ضد إيران سيواجه الفشل، مستحضرًا تصريحات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” السابقة التي تحدثت فيها عن إعادة إيران إلى “العصر الحجري”، ليؤكد أن بلاده لن تستسلم للضغوط مهما بلغت.
وحذر المسؤول الإيراني من الحسابات الخاطئة للولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما، مؤكدًا أن الهدف النهائي للضغوط الغربية يتمثل في دفع إيران إلى الاستسلام الكامل، وهو أمر قال إن الشعب الإيراني يرفضه بصورة قاطعة.
واستبعد “أسدي” أن يؤدي التفاوض مع الولايات المتحدة إلى معالجة المشكلات الاقتصادية والمعيشية في البلاد، مؤكدًا أن طهران مستعدة للتعامل مع أي تطورات أو مواجهات مستقبلية، حتى في حال انخراط حلف الناتو بشكل مباشر.
إسرائيل: معظم القدرات العسكرية الإيرانية دُمّرت
في المقابل، كانت قد نقلت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” في 27 مايو الماضي، عن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، “إيال زامير”، قوله إن معظم القدرات العسكرية الإيرانية تعرضت للتدمير خلال الحرب الأخيرة، وإن البرنامج النووي الإيراني تراجع لسنوات إلى الوراء.
وقال المسؤول العسكري الإسرائيلي إن البنية التي بناها النظام الإيراني تعرضت لتصدع كبير، معتبرًا أن مستقبل النظام واستقراره باتا يكتنفهما الغموض.
وأضاف أن قادة إيران يتعرضون للملاحقة، وأن معظم قدراتها العسكرية تعرضت للتدمير، فيما تراجع برنامجها النووي لسنوات، على حد وصفه.
كما زعم زامير أن الاقتصاد الإيراني يشهد حالة من التدهور، وأن المواطنين الإيرانيين لم يدركوا بعد حجم التداعيات التي أفرزتها سياسات قيادتهم.
ترامب يثير الجدل بتصريحات متناقضة
وفي تطور لافت، أورد تقرير نشرته صحيفة “الإندبندنت” البريطانية، أمس، أن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بدا وكأنه يناقض روايته السابقة بشأن نتائج الحرب ضد إيران.
ووفق التقرير، قال “ترامب” خلال مقابلة على شبكة “فوكس نيوز” إن الجيش الإيراني لم يتأثر بصورة كبيرة بالضربات الأمريكية خلال الأشهر الثلاثة الماضية، رغم تأكيداته السابقة المتكررة بأن واشنطن وجهت ضربات قاسية لقدرات طهران العسكرية.
وأشار التقرير إلى أن الحرب، التي كانت الإدارة الأمريكية تتوقع انتهائها خلال أيام أو أسابيع قليلة، دخلت شهرها الثالث دون تحقيق أهدافها الرئيسية، وفي مقدمتها إعادة فتح مضيق هرمز بالقوة أو فرض تسوية نهائية على إيران.
كما لفت إلى استمرار الخلافات بين الجانبين بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني وقضية تخصيب اليورانيوم، رغم استمرار المفاوضات المتعلقة بتمديد وقف إطلاق النار.
وخلال المقابلة، قال “ترامب” إن القوات البحرية والجوية الإيرانية تعرضت لضربات قاسية، لكنه أضاف أن الولايات المتحدة تركت الجيش الإيراني إلى حد ما وشأنه، معتبرًا أن الحفاظ على بعض مؤسسات الدولة العسكرية كان ضروريًا لتجنب انهيار البلاد ودخولها في فوضى شبيهة بما حدث في العراق بعد عام 2003.
وقال “ترامب“: “لقد ارتُكبت أخطاء في حروب يتم فيها القضاء على الجميع، ثم تجد نفسك أمام دولة لا يمكن إعادة بنائها لمدة أربعين عامًا”، مستشهدًا بالتجربة العراقية.
لكن الرئيس الأمريكي عاد بعدها ليقول إن إيران ليس لديها جيش، في تصريحات أثارت جدلًا واسعًا وانتقادات من معارضيه الذين اعتبروا أن تصريحاته حملت تناقضًا واضحًا بشأن تقييم نتائج الحرب.
تحول في خطاب “ترامب” تجاه إيران
وفي موازاة ذلك، بدا أن لغة “ترامب” تجاه إيران تشهد تحولًا ملحوظًا مقارنة بالخطاب الذي ساد خلال المراحل الأولى من الحرب.
ففي مقابلة هاتفية مع شبكة “إيه بي سي نيوز“، أعرب الرئيس الأمريكي عن اعتقاده بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران خلال الأسبوع المقبل لتمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز.
وقال “ترامب” إن الأجواء تبدو إيجابية، مشيرًا إلى أنه تمكن من احتواء ما وصفه بـ”خلل مؤقت” نجم عن استياء إيراني من الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على جنوب لبنان والتهديدات المتعلقة بتوسيع العمليات العسكرية باتجاه بيروت.
وأضاف أنه أجرى اتصالات مع الأطراف المعنية أسهمت في احتواء التصعيد ومنع تدهور الوضع.
وفي لهجة مختلفة عن تصريحاته السابقة، وصف “ترامب” إيران بأنها “دولة كبيرة جدًا”، مؤكدًا أن التوصل إلى اتفاق معها ليس مهمة سهلة في ظل تراكم عقود من العداء بين الطرفين.
وأشار إلى أن الاتفاق المحتمل قد يكون أفضل من انتصار عسكري، موضحًا أن المفاوضات لا تزال بحاجة إلى استكمال بعض النقاط قبل التوصل إلى تفاهم نهائي.
وفيما تستمر المحادثات الدبلوماسية، تعكس التصريحات المتبادلة بين طهران وواشنطن وتل أبيب حجم التباين في تقييم نتائج الحرب الأخيرة، فبينما تؤكد إيران أن قدراتها العسكرية ما تزال قائمة وأن خصومها أخفقوا في تحقيق أهدافهم الاستراتيجية، تتحدث إسرائيل عن تدمير معظم القدرات العسكرية الإيرانية، في حين يرسل الرئيس الأمريكي إشارات متناقضة تجمع بين الإقرار باستمرار قوة الجيش الإيراني والسعي في الوقت ذاته إلى تسويق الحرب باعتبارها نجاحًا استراتيجيًا، ما يكرس حالة الضبابية التي لا تزال تحيط بمآلات الصراع ونتائج التسوية المرتقبة على المنطقة.
اقرأ أيضا: بعد التصعيد الإيراني.. ترامب يعلن وقف تحركات إسرائيل المتجهة إلى بيروت







