بعد سنوات طويلة من تراجع زراعته، يعود محصول الكتان إلى محافظة المنيا من جديد، ليس باعتباره محصولًا زراعيًا فحسب، وإنما كأحد الرهانات الواعدة لدعم التنمية الزراعية والصناعية وتعظيم القيمة المضافة للمحاصيل الاستراتيجية.
وتأتي عودة “الذهب الأخضر” في إطار توجه الدولة نحو التوسع في زراعة المحاصيل ذات العائد الاقتصادي المرتفع، واستغلال الأراضي المستصلحة بالظهير الصحراوي الغربي، بما يعزز فرص الاستثمار ويوفر خامات لصناعات تعتمد على الإنتاج المحلي.
وشهد موسم 2026 نجاح أول تجربة واسعة لزراعة الكتان بمحافظة المنيا على مساحة بلغت 600 فدان بالظهير الصحراوي الغربي جنوب المحافظة، وتحديدًا بمركز أبو قرقاص، في تجربة وصفها متخصصون بأنها نقطة انطلاق نحو إعادة إحياء واحد من أقدم المحاصيل المصرية، بعد أن أثبتت النتائج ملاءمة طبيعة التربة والظروف المناخية بالمناطق الجديدة لزراعته، الأمر الذي يشجع على التوسع في المساحات المزروعة خلال المواسم المقبلة.
وتُعد المنيا من أكبر المحافظات الزراعية في صعيد مصر، إذ تبلغ المساحة المزروعة بها نحو 540 ألف فدان، بينما يعمل ما يقرب من 58% من قوة العمل في القطاع الزراعي، وهو ما يجعلها بيئة مناسبة للتوسع في المحاصيل ذات الجدوى الاقتصادية المرتفعة، خاصة مع استمرار مشروعات استصلاح الأراضي والتوسع العمراني والزراعي في الظهير الصحراوي.
ولا تمثل زراعة الكتان تجربة جديدة على المحافظة، إذ عرفت المنيا هذا المحصول منذ عقود طويلة، خاصة في مراكز بني مزار ومطاي وسمالوط، حيث ارتبط بالصناعات النسيجية والاستفادة من بذوره وأليافه، إلا أن تراجع الصناعات المرتبطة به خلال العقود الماضية أدى إلى انكماش مساحاته، قبل أن تعود الدولة لإحياء زراعته ضمن خطة تستهدف تنويع التركيب المحصولي وزيادة المحاصيل ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة.
وتكتسب عودة الكتان أهمية خاصة لكونه من المحاصيل متعددة الاستخدامات، إذ تدخل أليافه في صناعة الغزل والمنسوجات والأقمشة، بينما تستخدم بذوره في إنتاج الزيوت الغذائية والطبية، كما يستفاد منه في صناعة الأعلاف وبعض الصناعات الورقية والخشبية، إلى جانب تمتعه بفرص تصديرية جيدة في الأسواق العالمية، وهو ما يجعله محصولًا قادرًا على تحقيق قيمة مضافة مرتفعة.
ويتميز الكتان أيضًا بانخفاض احتياجاته المائية مقارنة بعدد من المحاصيل التقليدية، بما يتوافق مع توجهات الدولة نحو ترشيد استخدام الموارد المائية وتعظيم الإنتاجية، فضلًا عن مساهمته في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في الزراعة والحصاد والتجهيز والنقل والصناعات التحويلية المرتبطة بالألياف والزيوت.
ووفقًا للبيانات الزراعية بالمحافظة، قد يصل متوسط إنتاجية الفدان إلى نحو 4.5 طن في الظروف المثالية، وهو ما يعزز الجدوى الاقتصادية للمحصول ويشجع المستثمرين على التوسع في زراعته وإقامة صناعات تعتمد عليه.
ويرى متخصصون، أن نجاح التجربة يفتح الباب أمام إنشاء صناعات تحويلية متكاملة تعتمد على ألياف الكتان وزيوته ومشتقاته، بما يرفع القيمة المضافة للإنتاج المحلي، ويحد من تصدير الخام، ويعزز مكانة المنيا كمركز واعد للصناعات الزراعية.
ومع استمرار جهود الدولة في استصلاح الأراضي وتطوير البنية الزراعية، تبدو عودة الكتان بداية لمرحلة جديدة تستعيد فيها المنيا مكانتها التاريخية في زراعة هذا المحصول، وتستثمره كأحد محركات التنمية الزراعية والصناعية، بما يدعم الاقتصاد المحلي ويوفر فرصًا أكبر للاستثمار والتشغيل خلال السنوات المقبلة.




