تتسع تداعيات الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها ميليشيا “الدعم السريع” في إقليم دارفور، مع تزايد التقارير الحقوقية والطبية التي ترصد الخسائر البشرية والإنسانية الناجمة عن استهداف المدنيين والكوادر الصحية، وسط تفاقم الأوضاع الإنسانية في شمال دارفور.
وفي وقت تتحدث فيه منظمات دولية عن جرائم ضد الإنسانية وأعمال تطهير عرقي طالت مدنيين في الفاشر ومحيطها، تتزايد المخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية في شمال دارفور وسط استمرار القتال وتراجع الخدمات الأساسية واتساع دائرة النزوح والضحايا.
جرائم ضد الإنسانية في الفاشر
وتعكس المعطيات الواردة في التقارير الحقوقية استمرار تدهور الوضع الإنساني في شمال دارفور، حيث بات المدنيون في قلب المواجهات العسكرية التي تشهدها المنطقة منذ أشهر، الأمر الذي دفع منظمات حقوقية إلى إطلاق تحذيرات بشأن طبيعة الانتهاكات المرتكبة وما نتج عنها من تفكك اجتماعي ونزوح واسع.
وفي هذا السياق، أعلنت “منظمة العفو الدولية” في تقرير جديد صدر، اليوم الأربعاء أنها خلصت إلى أن ميليشيا “الدعم السريع” ارتكبت جرائم ضد الإنسانية وأعمال تطهير عرقي خلال حملتها للسيطرة على مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور.
كما دعت المنظمة إلى وقف فوري لإطلاق النار في السودان، وطالبت بنشر قوة دولية بصورة عاجلة لتوفير الحماية للمدنيين.
وأوضحت المنظمة أنها وثقت خلال الفترة الممتدة من مطلع عام 2024 وحتى أكتوبر 2025 ما تعرض له المدنيون في الفاشر ومحيطها من عمليات قتل وإصابة وضرب وتعذيب واحتجاز، خلال المعارك بين ميليشيا “الدعم السريع” والقوات المسلحة السودانية.
وبحسب التقرير، شملت انتهاكات “الدعم السريع“، القتل العمد، والنقل القسري، والسجن، والتعذيب، والاغتصاب، والاستعباد الجنسي، وأشكالاً أخرى من العنف الجنسي، إضافة إلى الاسترقاق والإبادة.
آثار إنسانية واسعة على المدنيين
وتشير الوقائع الميدانية الواردة في التقارير إلى أن تداعيات الحرب لم تقتصر على الخسائر المباشرة، بل امتدت إلى تفكيك البنية الاجتماعية وإلحاق أضرار جسيمة بالفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال وكبار السن وذوو الإعاقة.
وذكرت “منظمة العفو الدولية” أن مئات الآلاف من الأطفال تعرضوا للنزوح، وكثير منهم واجهوا خطر الموت أو الإصابة أثناء الهجمات أو خلال محاولات الفرار من مناطق القتال، فيما أصبح عدد كبير من الأطفال أيتامًا نتيجة استمرار النزاع.
وأضافت “المنظمة” أن الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن واجهوا مخاطر كبيرة شملت التعرض لهجمات مباشرة، أو التخلي عنهم أثناء النزوح، أو حرمانهم من الوصول إلى المساعدات والخدمات الأساسية.
القطاع الصحي يدفع ثمن الحرب
وتكشف المعطيات الواردة من المؤسسات الطبية حجم الضغوط التي تعرض لها القطاع الصحي منذ اندلاع الحرب، حيث تحول الأطباء والعاملون في المجال الطبي إلى إحدى الفئات الأكثر تضررًا من استمرار الصراع.
وبحسب تقرير أصدرته “شبكة أطباء السودان” أمس الثلاثاء، بلغ عدد قتلى الكوادر الطبية في ولاية شمال دارفور 25 شخصًا منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 وحتى اجتياح ميليشيا “الدعم السريع” مدينة الفاشر.
وأوضحت “الشبكة” أن العاملين في القطاع الصحي واصلوا تقديم الخدمات العلاجية في ظروف وصفتها بالقاسية، شملت القصف والاشتباكات والحصار ونقص الإمدادات الطبية، ما أدى إلى سقوط عدد من الأطباء والعاملين الصحيين أثناء أداء واجبهم الإنساني.
كما كشفت عن وجود 20 طبيبًا، بينهم 4 طبيبات، لا يزال مصيرهم مجهولًا منذ اجتياح مدينة الفاشر، مشيرة إلى أنهم محتجزون داخل المدينة وفق المعلومات المتوافرة لديها.
وأكدت “الشبكة” أن فقدان هذه الكوادر يمثل ضربة قاسية للقطاع الصحي في شمال دارفور، لافتة إلى أن إجمالي ضحايا الكوادر الطبية منذ اندلاع الحرب تجاوز 235 شخصًا بين قتيل ومفقود.
وطالبت “شبكة أطباء السودان” ميليشيا “الدعم السريع” بالكشف عن مصير الأطباء المحتجزين، وضمان عدم استهداف العاملين في المجال الطبي، والسماح لهم بأداء مهامهم الإنسانية بعيدًا عن الانتهاكات وأعمال العنف.
الجيش السوداني يؤكد مواصلة عملياته
في المقابل، تعكس مواقف “القوات المسلحة السودانية” إصرارها على مواصلة العمليات العسكرية حتى تحقيق أهدافها المعلنة.
وفي هذا الإطار، أعلنت “القوات المسلحة” في بيان صدر، أمس، أنها تواصل، إلى جانب القوات المساندة لها، تنفيذ عملياتها العسكرية في مختلف محاور القتال، مؤكدة تحقيق نجاحات ميدانية متواصلة وإلحاق خسائر كبيرة ميليشيا “الدعم السريع”.
وأضاف البيان أن الجيش السوداني سيواصل عملياته حتى استكمال تطهير جميع أنحاء السودان من ميليشيا “الدعم السريع” وأعوانها، والعمل على بسط الأمن والاستقرار في مختلف مناطق البلاد.
أزمة إنسانية تتفاقم مع استمرار القتال
وتعكس المعطيات الواردة في التقارير الحقوقية والطبية حجم التحديات التي يواجهها السودان مع استمرار الصراع وتفاقم تداعياته الإنسانية والأمنية، إذ بات المدنيون والقطاع الصحي من أكثر الفئات تضررًا من الانتهاكات وأعمال العنف.
ومع استمرار الدعوات الدولية الرامية إلى حماية المدنيين ووقف انتهاكات وجرائم ميليشيا “الدعم السريع” في دارفور، تشير الوقائع الميدانية والتقارير الحقوقية إلى أن استمرار هذه الممارسات يهدد بمزيد من التدهور الإنساني، ويضع سكان المناطق المتضررة أمام ظروف تزداد قسوة مع اتساع نطاق النزوح وتراجع الخدمات الأساسية.
اقرأ أيضا: السودان.. سقوط ضحايا جراء هجمات الدعم السريع على كوستي وأم روابة







