في الوقت الذي ظل فيه التمويل البنكي لعقود طويلة المصدر الرئيسي لتوسع الشركات المصرية، تكشف المؤشرات الأخيرة عن توجه متزايد نحو تنويع مصادر التمويل والبحث عن أدوات جديدة قادرة على دعم النمو والاستثمار، في ظل التغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وتزايد احتياجات الشركات إلى رؤوس أموال أكثر مرونة.
وبرز هذا التوجه بوضوح خلال اللقاء الموسع الذي عقده الدكتور محمد فريد صالح وزير الاستثمار والتجارة الخارجية مع أعضاء الجمعية المصرية للاستثمار المباشر ورأس المال المخاطر، حيث أكد أهمية تعزيز التمويل القائم على زيادة رؤوس الأموال والاستثمار المباشر وصناديق الاستثمار، باعتبارها أدوات أكثر استدامة من الاعتماد المفرط على الاقتراض.
كما كشف عن توجه لإطلاق صناديق جديدة لدعم الصناعة والشركات الناشئة بالتعاون مع الصندوق السيادي، في خطوة تعكس سعياً لتوسيع قاعدة التمويل المتاحة أمام القطاع الخاص.
وتشير البيانات إلى أن القطاع المصرفي لا يزال اللاعب الأكبر في تمويل الاقتصاد، فبحسب بيانات البنك المركزي المصري، ارتفع حجم الائتمان الممنوح للقطاع الخاص إلى أكثر من 4 تريليونات جنيه خلال عام 2025، مقارنة بنحو 3.6 تريليون جنيه في العام السابق، ما يعكس استمرار النمو في التمويل المصرفي الموجه للشركات والأنشطة الاقتصادية المختلفة.
ورغم هذا النمو، فإن مؤشرات دولية تظهر أن التمويل المقدم للقطاع الخاص في مصر ما زال أقل من مستويات العديد من الاقتصادات المنافسة، فقد بلغ الائتمان الموجه للقطاع الخاص نحو 27.6% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يتجاوز المتوسط العالمي 50%، وهو ما يسلط الضوء على الحاجة إلى توسيع قاعدة التمويل وتطوير أدوات جديدة قادرة على تلبية احتياجات النمو والاستثمار.
وفي المقابل، تشهد أنشطة التمويل غير المصرفي توسعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، فقد ارتفع حجم التمويلات المقدمة عبر الأنشطة المالية غير المصرفية بصورة متسارعة، مدفوعاً بنمو إصدارات الأسهم والسندات والصكوك والتأجير التمويلي والتخصيم ورأس المال المخاطر، ما يعكس تنامي دور أسواق المال كأداة تمويلية موازية للقطاع المصرفي.
ولا يقتصر التحول في أدوات التمويل على مصر فقط، إذ تشير تقارير المؤسسات الدولية إلى أن أسواق رأس المال وصناديق الاستثمار أصبحت خلال السنوات الأخيرة مصدراً رئيسياً لتمويل التوسع في العديد من الاقتصادات الناشئة، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والصناعة المتقدمة والطاقة النظيفة.
كما ساهمت صناديق الملكية الخاصة ورأس المال المخاطر عالمياً في تمويل آلاف الشركات التي تحولت لاحقاً إلى كيانات كبرى، وهو ما دفع العديد من الحكومات إلى تطوير الأطر التنظيمية التي تشجع هذه الأدوات وتمنحها دوراً أكبر في تمويل النمو.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في مصر مع تنامي الاحتياجات التمويلية للمشروعات الصناعية والتصديرية الكبرى، في وقت تتطلب فيه خطط الدولة لزيادة الصادرات وجذب الاستثمارات الأجنبية وتوطين الصناعة توفير مصادر تمويل طويلة الأجل قادرة على تحمل فترات استرداد أطول.
وتبرز هنا أهمية تعميق سوق المال وتوسيع قاعدة المستثمرين المؤسسيين، وهي الملفات التي وضعتها الحكومة ضمن أولوياتها خلال المرحلة الحالية، بهدف خلق منظومة تمويل أكثر قدرة على دعم التوسع والإنتاج وخلق فرص العمل.
وتكتسب قضية المستثمرين المؤسسيين أهمية متزايدة في ضوء ما أشار إليه وزير الاستثمار من أن السوق المصرية لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على عدد محدود من المؤسسات المالية الكبرى.
وتعد صناديق التقاعد وشركات التأمين وصناديق الاستثمار من أهم مصادر التمويل طويلة الأجل في الاقتصادات المتقدمة، إذ توفر سيولة مستقرة وتساعد على تمويل الشركات والمشروعات الكبرى دون الاعتماد الكامل على القروض المصرفية.
كما أن الشركات الناشئة والتكنولوجية، التي تمثل أحد المحركات الرئيسية للنمو في الاقتصاد الحديث، غالباً ما تحتاج إلى رؤوس أموال جريئة وشركاء استثماريين قادرين على تحمل المخاطر لفترات طويلة، أكثر من حاجتها إلى التمويل التقليدي القائم على الضمانات والاقتراض.
وتبرز أهمية صناديق رأس المال المخاطر وصناديق الاستثمار المباشر التي تسعى الحكومة إلى تعزيز دورها خلال المرحلة المقبلة، وتشير بيانات وزارة التخطيط إلى تزايد مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي خلال الفترة الأخيرة، في إطار توجه الدولة لإفساح المجال أمام الاستثمارات الخاصة لتقود النمو في عدد من القطاعات الإنتاجية والخدمية.
ويواكب ذلك العمل على تطوير بيئة الأعمال وتبسيط الإجراءات وتحسين أدوات التمويل بما يرفع قدرة الشركات على التوسع وزيادة الإنتاج،
ومع استمرار جهود الإصلاح الاقتصادي وتوسيع دور القطاع الخاص، تبدو خريطة التمويل في مصر مقبلة على مرحلة جديدة لا تعتمد على البنوك وحدها، بل تفتح المجال أمام أسواق المال والصناديق الاستثمارية ورأس المال المخاطر لتصبح شريكاً أساسياً في تمويل النمو، بما يدعم خطط الدولة لزيادة الاستثمار والإنتاج والصادرات خلال السنوات المقبلة.







