هل ينجح ترامب في إبرام اتفاق طويل الأمد مع إيران؟

هل ينجح ترامب في إبرام اتفاق طويل الأمد مع إيران؟
مشاركة المقال:
حجم الخط:

تبدو المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران وكأنها تتحرك داخل مساحة رمادية بين الحرب والتسوية، حيث يختلط التفاؤل السياسي بالحذر الاستراتيجي، حيث يمكن فهم هذا التصاعد في الخطاب الإيجابي باعتباره محاولة من الطرفين لاختبار حدود المرونة السياسية لدى كل منهما، أكثر من كونه اقترابًا فعليًا من اتفاق نهائي.

فالتجارب السابقة في هذا الملف تُظهر أن أي اقتراب من تفاهم كان يتبعه عادة خلاف على التفاصيل التنفيذية أو انهيار في الثقة.

لذلك، فإن السؤال ليس فقط ما إذا كان الاتفاق ممكنًا، بل هل البيئة السياسية الحالية قادرة أصلًا على إنتاج اتفاق طويل الأمد يمكن أن يصمد أمام التحولات الداخلية في واشنطن وطهران.

رغبة في الاتفاق واختلاف في تعريفه

وتكمن الإشكالية الأساسية في أن الطرفين لا يتفقان حتى على تعريف “الاتفاق نفسه”، فالولايات المتحدة تميل إلى تصور اتفاق وظيفي يقوم على ضبط البرنامج النووي الإيراني ومنع التصعيد مقابل تخفيف مشروط للعقوبات، بينما تنظر إيران إلى الاتفاق كإطار أوسع لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي ورفع القيود الاقتصادية والأمنية بشكل تدريجي.

هذا الاختلاف يجعل أي تفاهم محتمل أقرب إلى “هدنة منظمة” منه إلى تسوية شاملة، إذ يسعى كل طرف إلى تثبيت مكاسب مؤقتة يمكن إعادة التفاوض حولها لاحقًا.

هل نحن أمام اتفاق فعلي أم مرحلة تمهيدية؟

وبشكل أساسي، تشير طبيعة التسريبات والتصريحات إلى أن ما يجري هو بناء “مرحلة أولى” أكثر من كونه اتفاقًا نهائيًا، فالقضايا الأكثر تعقيدًا، وخاصة الملف النووي، يبدو أنها تُرحّل عمدًا إلى مراحل لاحقة، وهو ما يعكس إدراكًا مشتركًا بأن الحسم الكامل غير ممكن في الوقت الراهن.

وهذا النوع من التدرج التفاوضي غالبًا ما يُستخدم لتقليل المخاطر السياسية الداخلية، لكنه في الوقت نفسه يخلق هشاشة هيكلية في أي اتفاق محتمل، لأنه يبقي القضايا الجوهرية معلقة دون حل نهائي.

تفاؤل حذر وحدود واضحة للاتفاق

وفي هذا السياق، تشير شبكة “سي إن إن” إلى موجة تفاؤل داخل إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق لتمديد وقف إطلاق النار والانتقال نحو إنهاء الحرب، لكنها تؤكد أن هذا التفاهم لا يمثل “اتفاق سلام” بحد ذاته، بل مجرد خطوة أولى ضمن عملية أطول وأكثر تعقيدًا.

وتضيف “الشبكة” أن أحد أبرز التحديات يتمثل في البرنامج النووي الإيراني، حيث يجري نقاش حول آليات التفتيش والرقابة، إضافة إلى سؤال محوري: هل سيتم تفكيك البرنامج بالكامل أم الاكتفاء بتقييد التخصيب؟

وكما تشير إلى أن ملف اليورانيوم عالي التخصيب يمثل عقدة مركزية، في ظل غياب وضوح حول كيفية التعامل مع المخزون الموجود بالفعل، وهو ما يجعل التنفيذ الفعلي لأي اتفاق أكثر تعقيدًا من الإعلان السياسي عنه.

تفاهم اقتصادي مقابل تأجيل الملفات الجوهرية

ومن جهتها، تنقل وكالة “رويترز” عن مصادر، أن مسودة التفاهم تتضمن ترتيبات اقتصادية وأمنية أولية، تشمل إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري الأمريكي، مقابل الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة وتخفيف العقوبات النفطية.

ولكن اللافت في هذه المقاربة هو أن القضايا النووية الأساسية تُرحّل إلى مفاوضات تمتد نحو 60 يومًا، ما يعني أن الاتفاق “حتى في حال توقيعه” سيبقى مؤقتًا وقابلًا لإعادة التفاوض في أي لحظة.

اتفاق مشروط بالكامل بالأداء

وفي المقابل، تشير شبكة “إيه بي سي نيوز” إلى أن التصور الأمريكي للاتفاق يقوم على مبدأ “المكافأة مقابل الالتزام”، حيث لن تحصل إيران على مكاسب اقتصادية فورية، بل تدريجية ومشروطة بتنفيذ التعهدات.

وهذا النموذج يعكس محاولة أمريكية لتجنب تكرار تجارب سابقة اعتُبرت فيها التنازلات غير قابلة للضبط، لكنه في الوقت نفسه يزيد من حساسية التنفيذ، لأن أي تأخير أو خلاف في التفسير قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق مبكرًا.

الرؤية الإيرانية: الميدان قبل الدبلوماسية

وفي المقابل، تقدم التصريحات الإيرانية إطارًا مختلفًا تمامًا لفهم التفاوض، إذ يؤكد وزير الخارجية “عباس عراقجي” في مقابلة مع “التلفزيون الرسمي”، أن أي مفاوضات لا يمكن أن تنجح دون “قوة ميدانية”، في إشارة إلى أن التوازن العسكري والسياسي هو الأساس الذي تُبنى عليه الدبلوماسية.

وكما يشير “عراقجي” إلى أن الاتفاق المحتمل يتضمن حزمة من 14 بندًا تشمل مضيق هرمز، رفع العقوبات، إعادة الإعمار، والأصول المجمدة، في إطار صفقة شاملة ولكن مرحلية، حيث تُترك القضايا الأكثر حساسية للمرحلة الثانية.

فهذا التصور يعكس رؤية تفاوضية تعتبر الاتفاق وسيلة لتثبيت نتائج الصراع وليس لإنهائه جذريًا.

تفاهم متقدم لكن القرار النهائي لم يُحسم بعد

وأكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية “إسماعيل بقائي” في مقابلة مع “التلفزيون الرسمي”، أن المفاوضات مع الولايات المتحدة وصلت إلى تفاهم حول جزء كبير من القضايا، لكنها ما تزال في مرحلة اتخاذ القرار النهائي بشأن مسودة التفاهم الأولي.

وأوضح أن اقتراب الطرفين من التفاهم ليس جديدًا، لكنه تعرقل سابقًا بسبب تغيّر مواقف الطرف الآخر وتناقض تصريحاته، ما أطال أمد العملية التفاوضية.

وشدد “بقائي” على أن النهج الإيراني قائم على الواقعية وتحقيق النتائج، مع التمسك بالخطوط الحمراء منذ بداية المفاوضات، مؤكدًا أن هذه الثوابت لم تتغير.

وأضاف أن وزارة الخارجية لا تؤكد أي تفاصيل إعلامية متداولة، وأن الإعلان الرسمي لن يتم إلا بعد الوصول إلى نتيجة نهائية، لافتًا إلى أن القرار النهائي يتطلب توافقًا بين المؤسسات المعنية داخل إيران.

وأفاد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بأن موعد أو مكان التوقيع ما يزال سابقًا لأوانه، وأن المسار قد ينتهي إلى اتفاق أو لا يصل إلى نتيجة نهائية.

عقدة الثقة بين طهران وواشنطن

وبعيدًا عن التفاصيل التقنية، تبقى المشكلة الجوهرية في غياب الثقة المتبادلة بين الجانبين، فالولايات المتحدة تنظر إلى إيران باعتبارها طرفًا يصعب ضمان التزامه طويل الأمد، بينما ترى إيران أن واشنطن انسحبت سابقًا من التزامات قائمة، ما يجعل أي ضمانات موضع شك.

وهذه الثنائية تخلق ما يمكن وصفه بـ”حلقة عدم الثقة”، حيث يتم تصميم الاتفاقات بطريقة معقدة لضمان التنفيذ، لكنها في الوقت نفسه تصبح أكثر هشاشة أمام أي تغير سياسي داخلي.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن إنجاز اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ليس مستحيلًا، لكنه في حال حدوثه سيكون أقرب إلى “تفاهم مرحلي طويل الأمد” منه إلى تسوية نهائية مستقرة.

فالبيئة الحالية تسمح بإنتاج اتفاقات جزئية، لكنها لا تزال غير قادرة على إنتاج تسوية شاملة تنهي جذور الصراع. وبالتالي، فإن أي اتفاق محتمل سيظل مرهونًا بقدرته على الصمود أمام اختبار الزمن والثقة، وليس فقط أمام لحظة التوقيع.

اقرأ أيضا: ترامب يعلن وقف ضربات ضد إيران بعد تقدم في المحادثات

مقالات مقترحة

عرض الكل