تثير منظومة العدادات الكودية جدلًا متجددًا في قطاع الكهرباء، بين كونها حلًا فنيًا وقانونيًا لمواجهة سرقات التيار الكهربائي في العقارات المخالفة، وبين التحديات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بقدرة المواطنين على تحمل تكلفتها.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الدولة أهمية ضبط الاستهلاك وحماية حقوق شركات الكهرباء، تتصاعد الدعوات لضرورة دراسة الأبعاد الاجتماعية قبل أي تحركات تتعلق بتسعير أو تعميم المنظومة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور حافظ سلماوي، الرئيس الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك: إن العدادات الكودية جاءت كحل بديل بعد سنوات من تطبيق نظام “الممارسة”، الذي لم يعكس الاستهلاك الحقيقي للمواطنين وأدى إلى خسائر كبيرة في قطاع الكهرباء، فضلًا عن تراكم الأعباء القانونية الناتجة عن تحرير محاضر سرقة التيار.
وأوضح – في تصريح خاص لـ” البورصجية-“، أن القانون لا يسمح بتركيب العدادات التقليدية للمباني المخالفة، سواء المقامة دون تراخيص أو على أراضٍ زراعية أو أملاك دولة، وهو ما دفع الدولة إلى استحداث نظام العدادات الكودية لضبط الاستهلاك وتحقيق تحصيل قانوني لمستحقات الكهرباء.
وأشار سلماوي إلى أن الإشكالية الحالية لا تتعلق بموعد تركيب العداد أو توقيت المخالفة، بقدر ما ترتبط بالمركز القانوني للمستهلك، حيث يتم التعامل مع المخالفين من خلال العدادات الكودية، مقابل العدادات التقليدية للمواطنين الملتزمين، ما يخلق حالة من التباين في المعاملة.
وحذر من أن رفع أو توحيد تعريفة الكهرباء على أصحاب العدادات الكودية دون دراسة دقيقة لظروفهم الاقتصادية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها زيادة احتمالات العودة لسرقة التيار أو التحايل على العدادات، بما يضر بأهداف المنظومة.
ولفت إلى أن قانون الكهرباء يتضمن آلية لمعالجة هذه الحالات من خلال المادة 41، التي تتيح لمجلس الوزراء تحديد أسعار خاصة لبعض الفئات لأسباب اقتصادية أو اجتماعية، على أن تتحمل وزارة المالية الفارق لشركات الكهرباء، بما يحقق التوازن بين العدالة الاجتماعية واستدامة الخدمة.
ودعا سلماوي إلى ضرورة قيام جهاز تنظيم مرفق الكهرباء بإجراء دراسة شاملة لقياس القدرة الحقيقية لأصحاب العدادات الكودية على السداد، بالتعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، اعتمادًا على بيانات الدخل والإنفاق.
وأوضح أن المعايير الدولية والمحلية تشير إلى أهمية ألا تتجاوز فاتورة الكهرباء نسبة محددة من دخل الأسرة، لضمان عدم تحولها إلى عبء يهدد الاستقرار المعيشي.
كما شدد على أن القضية لا تتعلق فقط بالقدرة المالية على الدفع، بل أيضًا بالإحساس بالعدالة بين المشتركين، في ظل شعور بعض أصحاب العدادات الكودية بأنهم يتحملون أعباء أكبر مقارنة بالمشتركين النظاميين رغم تقارب مستويات الاستهلاك.
واختتم بالتأكيد على أن الهدف الأساسي يجب أن يظل حماية حق الدولة في تحصيل مستحقاتها ومنع سرقات الكهرباء، مع مراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، بما يحقق التوازن بين تطبيق القانون وضمان الاستقرار المجتمعي.







