تأتي زيارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” إلى الصين المتوقعة، اليوم الأربعاء، للقاء الرئيس الصيني “شي جين بينج” في سياق محاولة لإعادة ضبط العلاقات المتوترة بين البلدين، وسط ملفات متشابكة تشمل التجارة، والمعادن الحيوية، وسلاسل الإمداد، والحرب في إيران.
وتشير عدة تقارير إلى أن الزيارة تحمل طابعًا عمليًا يركز على تحقيق مكاسب اقتصادية سريعة، إلى جانب إدارة ملفات استراتيجية أكثر حساسية، في مقدمتها الأمن الإقليمي والتنافس التكنولوجي.
التجارة والاقتصاد.. الأولوية المباشرة لواشنطن
بحسب مجلة “نيوزويك“، يسعى “ترامب” إلى دفع العلاقات التجارية مع الصين نحو اتفاقات محدودة تشمل قطاعات الزراعة والطيران والطاقة، مع التركيز على فتح الأسواق أمام الشركات الأمريكية وتعزيز الصادرات.
وتشير تحليلات “المجلة” إلى أن واشنطن لا تستهدف اتفاقًا شاملًا بقدر ما تبحث عن صفقات قابلة للتحقيق، في ظل استمرار الخلافات حول الرسوم الجمركية وسياسات الدعم الصناعي، إضافة إلى المنافسة على سلاسل الإمداد العالمية.
إيران.. ملف غير معلن على طاولة القمة
تشير تقارير “مجلة نيوزويك” إلى أن الحرب في إيران تمثل أحد الملفات غير المباشرة في المحادثات بين “ترامب” و”شي جين بينج”، خاصة مع ارتباطها بأسواق الطاقة العالمية وأمن سلاسل الإمداد.
وتلفت التقارير إلى أن الصين، التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط عبر مضيق هرمز، تفضل خفض التصعيد، مع استمرار دورها الدبلوماسي في التواصل مع طهران دون الانخراط المباشر في الصراع.
استنزاف المخزونات العسكرية الأمريكية.. ورقة ضغط صينية محتملة
وفي سياق متصل، أشارت وكالة أنباء “شينخوا” الصينية إلى أن استنزاف المخزونات العسكرية الأمريكية نتيجة الحرب مع إيران، إلى جانب نقاط الضعف في سلاسل الإمداد الدفاعي، قد يمنح الصين ورقة ضغط إضافية خلال محادثات الرئيس الأمريكي مع نظيره الصيني.
ووفق “الوكالة”، فإن هذا الاستنزاف لا يقتصر على إثارة تساؤلات بشأن جاهزية واشنطن لمواجهة محتملة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بل يسلط الضوء أيضًا على قدرة بكين على التأثير غير المباشر عبر هيمنتها على سلاسل توريد المعادن الحيوية المستخدمة في الصناعات العسكرية، والتي تعتمد عليها الولايات المتحدة في إعادة تسليح قواتها.
وتشير التحليلات التي أوردتها “الوكالة” إلى أن قدرة الولايات المتحدة على تعويض مخزوناتها تبقى محل شك، في ظل بطء الإنتاج العسكري وصعوبة مواكبة معدلات الاستهلاك المرتفعة، وهو ما قد يضعف من هامش المناورة التفاوضي لواشنطن خلال القمة.
كما لفتت “شينخوا” إلى أن واشنطن قد تلجأ إلى حلفائها أو إلى إعادة ترتيب أولويات التسليح، بما في ذلك تأجيل بعض الإمدادات العسكرية، كحلول مؤقتة لمعالجة العجز، دون أن يشكل ذلك معالجة جذرية للأزمة.
المعادن الحيوية.. نقطة الارتكاز الاستراتيجية
وبحسب “شينخوا” فإن المعادن الحيوية، وعلى رأسها “الجاليوم” والأنتيمون” والعناصر الأرضية النادرة، تمثل عنصرًا حاسمًا في المعادلة، نظرًا لاستخدامها في أنظمة الرادار وتوجيه الصواريخ والدفع العسكري، في وقت تسيطر فيه الصين على نحو 90% من الإمدادات العالمية لهذه المواد.
وتوضح “الوكالة” أن القيود الصينية السابقة على تصدير هذه المواد كشفت هشاشة الاعتماد الأمريكي، ما دفع واشنطن لاحقًا إلى تسريع جهود تنويع مصادر الإمداد وإنشاء احتياطيات استراتيجية، بهدف تقليل قابلية التأثر بالضغوط الصينية.
ورقة ضغط غير مباشرة في التفاوض
وتنقل “الوكالة” عن محللين أن إدراك بكين لارتفاع اعتماد الولايات المتحدة على هذه المواد قد يمنحها ورقة تفاوض قوية خلال المحادثات، مع إمكانية استخدامها كوسيلة ضغط غير مباشرة، دون اللجوء إلى التصعيد المباشر الذي قد ينعكس سلبًا على العلاقات الثنائية.
أبعاد أوسع في المحيطين الهندي والهادئ
وتشير “شينخوا” كذلك إلى أن هذه التطورات تتزامن مع توترات متصاعدة في ملف تايوان وبحر الصين الجنوبي، حيث تتداخل المصالح الاستراتيجية بين بكين وواشنطن، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة دعمها العسكري لتايوان.
وتلفت “الوكالة” إلى أن بكين، رغم تمتعها بموقع أقوى نسبيًا في بعض الملفات البحرية، تفضل تجنب التصعيد المباشر، مع التركيز على إدارة التوازنات الإقليمية على المدى الطويل بدلًا من المواجهة المفتوحة.
رسائل “ترامب”: تفاوض وقوة في آن واحد
بحسب ما نقلته شبكة “إيه بي سي نيوز“، قدم “ترامب” مواقف غير واضحة بشأن الدور الصيني في ملف إيران ، حيث قال في البداية إن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى مساعدة، قبل أن يلمح لاحقًا إلى إمكانية الاستفادة من أي دور يمكن أن يلعبه الرئيس الصيني “شي جين بينج”.
كما شدد الرئيس الأمريكي على أن واشنطن تسيطر على الوضع في إيران، في محاولة لإظهار قوة موقفه التفاوضي قبل اللقاء المرتقب.
المصالح الاقتصادية مقابل الاعتبارات الجيوسياسية
ترجح التحليلات الواردة في “نيوزويك” أن إدارة “ترامب” تسعى إلى تحقيق نتائج اقتصادية ملموسة وسريعة، بينما تركز الصين على تعزيز موقعها الاستراتيجي في سلاسل الإمداد والمعادن والطاقة.
ويرى محللون بحسب “المجلة”، أن هذا الاختلاف يدفع القمة نحو إدارة تسويات جزئية وتوازنات مصالح، وليس إلى اتفاق شامل يعيد صياغة العلاقات الثنائية بشكل جذري.
ووفق ما تعكسه هذه التقارير فإن زيارة “ترامب” إلى الصين تقوم على مزيج من الأهداف الاقتصادية والرسائل السياسية، حيث تسعى واشنطن إلى مكاسب تجارية محدودة وتثبيت نفوذها في ملفات إيران وسلاسل الإمداد، بينما تستخدم بكين نفوذها في المعادن الحيوية والطاقة كورقة ضغط استراتيجية، ما يجعل مخرجات القمة مرهونة بتفاهمات عملية أكثر من كونها تحولًا في العلاقات بين القوتين.
وفي هذا السياق، تشير التقارير إلى أن استنزاف المخزونات العسكرية الأمريكية نتيجة الحرب مع إيران، إلى جانب نقاط الضعف في سلاسل الإمداد الدفاعي، قد يمنح الصين ورقة ضغط إضافية خلال القمة المرتقبة، في ظل ما تواجهه واشنطن من تحديات في تعويض مخزوناتها وتسريع الإنتاج العسكري.
وتبقى القمة، وفق هذا السياق، أقرب إلى إدارة توازنات دقيقة بين الطرفين، في ظل استمرار التنافس في ملفات تايوان وبحر الصين الجنوبي والمعادن الحيوية.
اقرأ أيضا: قمة مرتقبة بين ترامب والرئيس الصيني تفتح ملفات شائكة







