في وقت كانت فيه مصر تبدأ تدريجيًا في استعادة توازنها الاقتصادي بعد سنوات من الضغوط، جاءت التطورات العسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط، على خلفية الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، لتفتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول حجم التداعيات المحتملة على الاقتصاد المصري، خاصة في ظل ارتباطه المباشر بعدد من القطاعات الحساسة مثل الطاقة والتجارة الدولية والسياحة وتدفقات الاستثمار الأجنبي.
وخلال الأيام الأولى من اندلاع المواجهة، بدأت الأسواق المصرية بالفعل في تسجيل مؤشرات تأثر أولية، تمثلت في تحركات ملحوظة في سعر الصرف، وتراجع مؤشرات البورصة، إلى جانب تصاعد المخاوف بشأن تدفقات السياحة وإيرادات قناة السويس واستقرار إمدادات الطاقة.
سعر الصرف
في سوق الصرف، سجل الجنيه المصري تراجعًا ملحوظًا مع تصاعد التوترات الإقليمية، حيث ارتفع سعر الدولار بنحو 2.33 جنيه منذ بداية الأسبوع، بنسبة تقارب 4.6%، ليصل إلى نحو 50.23 جنيه للبيع، مقارنة بنحو 47.99 جنيه في نهاية تعاملات الأسبوع السابق، وفق بيانات البنك المركزي المصري.
كما فقدت العملة المحلية خلال أول يومين من اندلاع الحرب على إيران جميع المكاسب التي حققتها خلال الأشهر الثمانية الماضية، بعد أن تراجع سعرها بنحو 2.8 جنيه مقابل الدولار، متجاوزًا مستوى 50 جنيهًا.
وتزامن ذلك مع موجة تخارج للاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين المحلية، حيث تشير البيانات إلى خروج نحو 1.2 مليار دولار خلال يومين فقط عبر تعاملات سوق الإنتربنك، بينما بلغ صافي خروج الأجانب والعرب من أذون الخزانة المحلية نحو 1.6 مليار دولار خلال النصف الثاني من فبراير.
وفي السياق ذاته، أظهرت بيانات السوق المالية تسجيل المستثمرين الأجانب صافي بيع في البورصة المصرية، وسط ضغوط بيعية واسعة، حيث فقدت الأسهم نحو 21.2 مليار جنيه من قيمتها السوقية منذ بداية الحرب على إيران، ليسجل إجمالي القيمة السوقية نحو 3.1 تريليون جنيه، مع تراجع غالبية الأسهم المتداولة.
قناة السويس
وتعد قناة السويس من أكثر القطاعات عرضة للتأثر بالتطورات الجيوسياسية في المنطقة، في ظل ارتباطها المباشر بحركة التجارة العالمية.
ويرى عدد من الخبراء أن أي تصعيد في البحر الأحمر أو الممرات البحرية المحيطة قد يدفع شركات الشحن العالمية إلى تغيير مساراتها أو تجنب المرور عبر القناة، وهو ما قد ينعكس على إيراداتها.
وفي هذا الإطار، قال الخبير الاقتصادي مدحت نافع إن دخول أطراف إقليمية مثل الحوثيين على خط المواجهة في البحر الأحمر قد يؤدي إلى شبه توقف لعائدات قناة السويس، نتيجة عزوف السفن عن المرور وارتفاع تكاليف التأمين والشحن.
كما أشارت تقارير إلى أن بعض شركات الشحن العالمية بدأت بالفعل في إعادة النظر في مساراتها، وكان من بينها شركة “ميرسك” التي أوقفت المرور عبر القناة في ظل تصاعد المخاطر.
قطاع الطاقة
يمثل قطاع الطاقة أحد أبرز القنوات التي قد تنتقل عبرها تداعيات الحرب على إيران إلى الاقتصاد المصري، خاصة مع ارتباط البلاد بسوق الغاز الإقليمي.
فقد أوقفت إسرائيل ضخ الغاز الطبيعي إلى مصر عبر حقلي “تمار” و”ليفياثان” في شرق البحر المتوسط، ما أدى إلى توقف إمدادات تصل إلى نحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا.
وفي محاولة لاحتواء تداعيات القرار، اتخذت الحكومة المصرية مجموعة من الإجراءات العاجلة لتأمين احتياجات السوق المحلي، من بينها تقديم موعد استلام شحنات من الغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى إعادة تنظيم الشحنات المتعاقد عليها دوليًا.
ووفق مسؤول حكومي، حصلت مصر خلال الأيام الماضية على نحو 300 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز عبر سفينة التغويز في العقبة بالأردن، في إطار ترتيبات مشتركة لتعويض غياب الغاز الإسرائيلي.
كما أوقفت مصر ضخ نحو 350 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز كانت مخصصة للتصدير عبر مصنع إدكو للإسالة، في خطوة تهدف إلى تعزيز الإمدادات المحلية وضمان استقرار شبكة الكهرباء.
وفي هذا السياق، أكد وزير الكهرباء محمود عصمت أن الشبكة القومية للكهرباء تعمل بصورة مستقرة رغم توقف إمدادات الغاز من شرق المتوسط، مشيرًا إلى أن الوزارة تمتلك عدة سيناريوهات للتعامل مع أي تطورات محتملة.
توقعات التضخم
يرتبط تأثير الحرب على إيران أيضًا بتحركات أسعار الطاقة العالمية، حيث يرى خبراء الاقتصاد أن أي ارتفاع في أسعار النفط سيترجم سريعًا إلى ضغوط تضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة، ومنها مصر.
وقال مدير إدارة البحوث المالية في شركة أكيومن لإدارة الأصول مصطفى شفيع إن ارتفاع أسعار النفط والنقل عالميًا سيؤدي إلى زيادة معدلات التضخم عالميًا، وهو ما سينتقل بدوره إلى الاقتصاد المصري باعتباره مستوردًا للعديد من السلع.
وأضاف أن هذه التطورات قد تدفع البنك المركزي المصري إلى إعادة تقييم سياسته النقدية خلال الاجتماعات المقبلة، وربما تثبيت أسعار الفائدة أو رفعها إذا استمرت التوترات لفترة طويلة.
وكانت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي قد خفضت في فبراير الماضي أسعار الفائدة الأساسية بمقدار 100 نقطة أساس، ليصل سعر الإيداع إلى 19% وسعر الإقراض إلى 20%، بعد سلسلة من التخفيضات بلغت 725 نقطة أساس خلال عام 2025.
تأثر السياحة
يعد قطاع السياحة من القطاعات التي تتأثر سريعًا بالأحداث الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
وقال رئيس اتحاد الغرف السياحية حسام الشاعر إن تأثير الحرب على إيران في حركة السياحة بدأ محدودًا في الأيام الأولى، لكنه قد يتضح بشكل أكبر مع نهاية الأسبوع إذا استمرت العمليات العسكرية واتسعت رقعتها.
وأشار إلى أن الأسواق الأمريكية وبعض الأسواق الآسيوية قد تكون الأكثر تأثرًا، خاصة تلك التي تعتمد على شركات الطيران الخليجية في نقل السياح إلى مصر.
وفي السياق ذاته، أكدت نورا علي، رئيسة مجلس إدارة شركة “ماسترز ترافيل” للسياحة، أن جميع الرحلات السياحية القادمة من دول آسيا إلى مصر أُلغيت لأجل غير محدد نتيجة اضطراب حركة الطيران في المنطقة.
حركة الصادرات
لم تقتصر تداعيات الأزمة على قطاعي السياحة والطاقة، بل امتدت أيضًا إلى حركة الصادرات المصرية، خاصة الحاصلات الزراعية الطازجة.
وقال رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين علي عيسى إن اضطراب حركة الطيران وإغلاق بعض المجالات الجوية أثر بشكل مباشر على تدفق الصادرات المصرية، خاصة الخضروات والفواكه المتجهة إلى دول الخليج وأفريقيا وجنوب شرق آسيا.
وأوضح أن توقف بعض الرحلات الجوية والبحرية أدى إلى زيادة تكاليف النقل، خصوصًا عند اللجوء إلى مسارات أطول مثل طريق رأس الرجاء الصالح للوصول إلى الأسواق الأوروبية.
وأضاف أن الحاصلات الزراعية الطازجة تعد من أكثر السلع تأثرًا بالأزمة، نظرًا لعدم قابليتها للتخزين لفترات طويلة، ما يضع ضغوطًا إضافية على المصدرين.
استقرار السلع
في المقابل، أكدت الحكومة المصرية أن المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية الأساسية يكفي لتغطية احتياجات السوق المحلي لفترات تمتد لعدة أشهر.
وأوضحت أن المجموعة الوزارية الاقتصادية قامت بتحديث سيناريوهات التعامل مع تداعيات الأزمة، مع التأكيد على الجاهزية الكاملة لتوفير النقد الأجنبي اللازم لتأمين السلع الغذائية والمنتجات البترولية ومستلزمات الإنتاج.
كما تم تفعيل غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء لمتابعة تطورات الوضع الإقليمي وتأثيراته على الاقتصاد المحلي.
وفي هذا الإطار، قال رئيس شعبة المواد الغذائية بالغرفة التجارية بالجيزة هشام الدجوي إن الأسواق المصرية لم تشهد حتى الآن أي نقص في السلع الأساسية، مؤكدًا أن المخزون الاستراتيجي يكفي لفترات تتراوح بين ستة أشهر وعام كامل.
تطورات الصراع
ويرى عدد من الخبراء أن تطورات الصراع قد تؤدي إلى موجة ارتفاع في أسعار عدد من السلع الاستراتيجية عالميًا.
وقال الخبير الاقتصادي محمد أنيس إن اتساع رقعة المواجهة في الشرق الأوسط قد يدفع الأسواق العالمية إلى إعادة تسعير المخاطر الاقتصادية، مشيرًا إلى أن أي تهديد لحركة الملاحة في مضيق هرمز سينعكس فورًا على أسعار النفط والسلع الاستراتيجية مثل القمح.
وأوضح أن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف النقل وسلاسل الإمداد، ما قد يضغط على أسعار الغذاء عالميًا.
قنوات التأثير
من جانبها، قالت الدكتورة عالية المهدي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، إن هناك ثلاثة مصادر رئيسية قد تنتقل عبرها تداعيات الحرب على إيران إلى الاقتصاد المصري.
وأوضحت أن المصدر الأول يتمثل في تراجع إيرادات قناة السويس نتيجة اضطراب حركة الملاحة في المنطقة، بينما يتمثل المصدر الثاني في احتمال تراجع إيرادات السياحة بسبب نظرة بعض السائحين إلى مصر باعتبارها جزءًا من منطقة الشرق الأوسط التي تشهد صراعات.
أما المصدر الثالث فيرتبط بقطاع الطاقة، مع احتمال تراجع واردات الغاز الطبيعي نتيجة توقف الإمدادات الإسرائيلية وصعوبة الاستيراد من بعض الدول في حال إغلاق مضيق هرمز.
السيناريوهات المحتملة
ورغم هذه التحديات، يرى عدد من الخبراء أن حجم التأثير النهائي سيظل مرتبطًا بمدة الحرب على إيران ومدى اتساع نطاقها.
وقال النائب محمد فؤاد إن التقييم الأولي يشير إلى احتمال حدوث اضطراب محدود قابل للاحتواء، ما لم تتطور الأحداث إلى مواجهة إقليمية واسعة تؤثر بصورة مستدامة على أسعار الطاقة وشهية المخاطر عالميًا.
وأشار إلى أن الاقتصاد المصري يمتلك عددًا من عناصر الاحتواء، من بينها مرونة سعر الصرف ووجود احتياطيات نقدية مناسبة تسمح بامتصاص الصدمات تدريجيًا.
وكان البنك المركزي المصري قد أعلن مؤخرًا ارتفاع صافي الاحتياطي من النقد الأجنبي إلى نحو 52.745 مليار دولار بنهاية فبراير الماضي.
وفي ضوء تلك المعطيات، يبقى مسار الحرب على إيران وتطوراتها الميدانية العامل الحاسم في تحديد حجم ومدة التأثيرات الاقتصادية، سواء على مصر أو على الاقتصاد العالمي ككل، في ظل ترقب واسع من الأسواق لمآلات الصراع في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية في معادلة الطاقة والتجارة الدولية.



