بعد مئة يوم من اندلاع الحرب على إيران وما صاحبها من اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية، كانت التوقعات الأولية تشير إلى أن الاقتصاد المصري سيكون بين أكثر اقتصادات المنطقة تعرضًا للضغوط، بحكم اعتماده على الواردات البترولية وحساسية ميزان مدفوعاته لأي ارتفاعات كبيرة في أسعار النفط والغاز.
ومع قفز فاتورة الطاقة إلى نحو 20 مليار دولار، بدا المشهد في الأسابيع الأولى للحرب وكأنه ينذر بموجة جديدة من الضغوط على العملة المحلية والتضخم والاحتياطيات الأجنبية.
لكن بعد مرور أكثر من 100 يوم على الأزمة، تكشف مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والمالية أن الاقتصاد المصري تمكن من احتواء جانب كبير من تداعيات الحرب، بل ونجح في تحقيق تحسن ملحوظ في عدد من الملفات الرئيسية، بدءًا من سوق الصرف ومرورًا بالتدفقات الدولارية والسياحة وقناة السويس، وصولًا إلى التضخم والاحتياطي النقدي.
وكانت سوق الصرف من أولى الساحات التي عكست هذا التحسن. فبعد أن سجل سعر الدولار أعلى مستوياته أمام الجنيه المصري عند نحو 54.70 جنيه للبيع خلال أبريل الماضي، بالتزامن مع ذروة المخاوف المرتبطة بالحرب، عاد الجنيه ليلتقط أنفاسه تدريجيًا، ليسجل ارتفاعًا بنحو 3.5% منذ بداية أبريل، ويتراجع سعر الدولار إلى ما دون 52 جنيهًا في أكبر البنوك الحكومية.
ويرى المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، محمود نجلة، أن تحسن أداء الجنيه ارتبط بتطورات المشهد الجيوسياسي وتزايد التوقعات بشأن التهدئة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على تدفقات أدوات الدين الحكومية. وأوضح أن السوق شهد عودة للمستثمرين الأجانب إلى أدوات الدين المحلية، وهو ما ظهر في تراجع العائد على أذون الخزانة قصيرة الأجل نتيجة زيادة الطلب عليها.
وفي الاتجاه ذاته، أكد الخبير المصرفي محمد بدرة أن تحسن الجنيه لم يكن مدفوعًا بعامل واحد، بل جاء نتيجة مجموعة من التدفقات الداعمة، شملت زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وعودة استثمارات أجنبية إلى السوق المحلية، فضلًا عن دخول استثمارات مالية جديدة إلى أدوات الدين الحكومية، ما ساعد على تعزيز المعروض من النقد الأجنبي وتهدئة الضغوط على سوق الصرف.
ولم يكن تحسن الجنيه مؤشرًا منفصلًا عن بقية التطورات الاقتصادية، بل جاء انعكاسًا لحالة أوسع من تحسن تدفقات العملة الأجنبية، وهو ما ظهر بوضوح في إيرادات قناة السويس، التي تحولت بصورة لافتة إلى أحد المستفيدين غير المتوقعين من تداعيات الحرب، حيث تسبب إغلاق مضيق هرمز في بحث ناقلات النفط عن طريق بديل عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفع عدد ناقلات النفط العابرة للقناة إلى 529 ناقلة خلال أبريل الماضي، بزيادة سنوية بلغت 28%، فيما ارتفع إجمالي عدد السفن العابرة بمختلف أنواعها إلى 1182 سفينة، بزيادة قدرها 14% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
كما ارتفعت إيرادات القناة إلى نحو 419 مليون دولار خلال الشهر ذاته، لتسجل أعلى مستوى منذ مطلع عام 2024. ووصف محمد أبو باشا، رئيس التحليل الاقتصادي الكلي في بنك الاستثمار “إي إف جي هيرميس”، قناة السويس بأنها تحولت إلى “مستفيد غير متوقع” من الحرب في الشرق الأوسط، موضحًا أن زيادة الإيرادات تمثل مصدرًا مهمًا لتعزيز تدفقات النقد الأجنبي وتقليص الضغوط على الحساب الجاري.
ويرى أبو باشا، أن زيادة إيرادات قناة السويس يمكن أن تساهم بشكل مهم في زيادة المعروض من الدولار، وتخفيض حجم العجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات.
وفي الوقت الذي كانت فيه الحرب تلقي بظلالها على حركة السفر والسياحة في عدد من دول المنطقة، أظهرت البيانات أن القطاع السياحي المصري واصل تحقيق أداء قويًا. فقد ارتفعت إيرادات السياحة بنسبة 14.9% خلال أول تسعة أشهر من العام المالي الجاري لتصل إلى نحو 14.4 مليار دولار، مقارنة بنحو 12.5 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق.
كما أظهرت بيانات منظمة السياحة العالمية ارتفاع إيرادات السياحة المصرية بنسبة 8% خلال الربع الأول من عام 2026 لتسجل نحو 4.1 مليار دولار، مقابل 3.78 مليار دولار خلال الفترة المقابلة من العام الماضي. والأكثر دلالة أن أعداد السائحين الوافدين إلى مصر ارتفعت بنسبة 16%، رغم تراجع النشاط السياحي في أجزاء من المنطقة نتيجة التوترات الجيوسياسية.
وقالت منظمة السياحة العالمية إن مصر كانت تاسع أكثر الوجهات نمواً من حيث إيرادات السياحة خلال الربع الأول من العام الحالي، بحسب قاعدة بيانات السياحة. فيما تتوقع “BMI” التابعة لـ”فيتش سوليوشنز” أن يصل عدد السائحين في مصر إلى 20.2 مليون في العام الحالي، بارتفاع 6.3% عن العام الماضي، وإجمالي إيرادات قد يبلغ 18.58 مليار دولار.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت من تحويلات المصريين العاملين بالخارج، التي سجلت قفزة غير مسبوقة خلال الأشهر الأخيرة. فبحسب بيانات البنك المركزي المصري، ارتفعت التحويلات بنسبة 32% خلال أول تسعة أشهر من العام المالي الجاري لتصل إلى 34.9 مليار دولار، مقارنة بـ26.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وسجل شهر مارس وحده تحويلات بقيمة 5.5 مليار دولار، وهو أعلى مستوى خلال العام المالي الجاري، بزيادة تجاوزت 61% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.
ووصف محمد أبو باشا هذه الأرقام بأنها فاقت التوقعات، بينما أرجع محلل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا علي متولي هذا الارتفاع إلى مجموعة من العوامل، من بينها عودة التحويلات إلى القنوات الرسمية بعد اختفاء السوق الموازية للعملة، إلى جانب توجه عدد من المصريين العاملين بالخارج إلى زيادة تحويلاتهم في ظل حالة عدم اليقين الإقليمي ورغبتهم في دعم أسرهم داخل البلاد.
كما أشار مصطفى بدوي، مدير الحسابات في شركة مباشر تريد، إلى أن قرارات تحرير سعر الصرف ساهمت في استعادة جانب كبير من التدفقات التي كانت تذهب إلى القنوات غير الرسمية، ما عزز قدرة الاقتصاد على جذب المزيد من العملات الأجنبية عبر الجهاز المصرفي.
وفي موازاة تحسن التدفقات الدولارية، نجحت مصر في الحد من انتقال الصدمة الخارجية إلى الأسعار المحلية، رغم ارتفاع تكلفة الطاقة العالمية. فقد أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية للشهر الثاني على التوالي، من 15.2% في مارس إلى 14.9% في أبريل، ثم إلى 14.6% في مايو، فيما استقر معدل التضخم الأساسي عند 13.8%.
وقالت محللة الاقتصاد الكلي بشركة “ثاندر” للأوراق المالية إسراء أحمد إن تراجع التضخم جاء مدعومًا بأثر سنة الأساس وغياب الصدمات الاقتصادية الكبيرة خلال مايو، مشيرة إلى أن استقرار سعر الصرف وعدم حدوث زيادات جديدة في أسعار المحروقات ساهما في دعم هذا المسار.
من جانبه، أوضح مدير مبيعات الأفراد في “الأهلي فاروس” باسم أحمد أن الحكومة تمكنت من احتواء جانب كبير من الضغوط التضخمية رغم ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، لافتًا إلى أن تحريك أسعار الطاقة مرة واحدة فقط ساعد في الحد من انتقال آثار الأزمة إلى مختلف القطاعات الاقتصادية.
وفي ملف الطاقة ذاته، برز تطور مهم اعتبره محللون نقطة تحول في مسار القطاع، تمثل في إعلان سداد جميع المستحقات المتأخرة لشركات البترول الأجنبية، بعد أن كانت قد تجاوزت 6 مليارات دولار خلال سنوات سابقة.
ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على إغلاق ملف مالي مزمن، بل تمتد إلى إعادة بناء الثقة مع شركات الطاقة العالمية وتشجيعها على ضخ استثمارات جديدة في أعمال البحث والاستكشاف والإنتاج، خاصة في مناطق البحر المتوسط مرتفعة التكلفة.
ويرى محللون أن إنهاء هذا الملف يبعث برسالة واضحة إلى المستثمرين الدوليين بشأن قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، كما يفتح المجال أمام زيادة الاستثمارات في قطاع الطاقة، بما يساهم مستقبلاً في رفع الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات وخفض الضغط على النقد الأجنبي.
وانعكست هذه التطورات مجتمعة على وضع الاحتياطيات الدولية، التي واصلت تسجيل مستويات قياسية جديدة. فقد ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 53.13 مليار دولار بنهاية مايو، محققًا زيادة للشهر الخامس والأربعين على التوالي.
وأوضح الخبير المصرفي محمد عبدالعال أن الزيادة تحققت رغم انخفاض قيمة الذهب المدرج ضمن الاحتياطي بسبب تراجع الأسعار العالمية، ما يعني أن النمو جاء أساسًا من ارتفاع مكون العملات الأجنبية، الذي زاد بنحو 656 مليون دولار خلال مايو.
كما أشار إلى أن الجهاز المصرفي المصري يواصل تسجيل فائض قوي في صافي الأصول الأجنبية تجاوز 21 مليار دولار، وهو ما يعكس تحسنًا لا يقتصر على البنك المركزي وحده، بل يشمل البنوك التجارية أيضًا.
ويرى محمد بدرة أن استمرار نمو الاحتياطي يؤكد وجود تدفقات نقدية إيجابية داخل الاقتصاد المصري، مدفوعة بتحويلات العاملين بالخارج والاستثمارات المباشرة وعائدات السياحة، بما يعزز قدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها الخارجية وتمويل احتياجاتها من الواردات.


