تتجه الأنظار إلى العاصمة القطرية الدوحة التي تستعد لاستضافة لقاءات أمريكية إيرانية جديدة، بعد أيام من التصعيد العسكري المتبادل الذي هدد بإرباك مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين لإنهاء الحرب.
وفي وقت أعلن فيه الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أن إيران طلبت عقد اجتماع سيُعقد الثلاثاء في العاصمة القطرية، تتواصل الاستعدادات السياسية والفنية وسط غموض يحيط بطبيعة المباحثات المرتقبة والموضوعات المطروحة فيها.
ويأتي ذلك في وقت تحاول فيه واشنطن وطهران احتواء تداعيات المواجهات الأخيرة المرتبطة بمضيق هرمز والملاحة البحرية، مع تمسك كل طرف بروايته بشأن مسؤولية التصعيد وبشروط الحفاظ على وقف إطلاق النار واستمرار المسار التفاوضي.
الدوحة تستضيف جولة جديدة من الاتصالات
وتعكس التحركات السياسية الجارية مساعي متواصلة للحفاظ على قنوات الحوار رغم التوترات الميدانية، في وقت تتكثف فيه الاتصالات الدبلوماسية الرامية إلى احتواء تداعيات التصعيد الأخير ومنع تأثيرها على التفاهمات التي أُبرمت بين الجانبين بعد أشهر من المواجهة.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عبر منصة “تروث سوشيال”، اليوم الإثنين، أن إيران طلبت عقد اجتماع، مضيفًا أن هذا الاجتماع سيُعقد غدًا الثلاثاء في العاصمة القطرية الدوحة.
وجاء إعلان “ترامب” متوافقًا مع ما كشفه مصدر مطلع لوكالة “رويترز” من أن الفرق الفنية الإيرانية والأمريكية المعنية بمتابعة تنفيذ اتفاق السلام المؤقت من المتوقع أن تجتمع في الدوحة خلال الأيام المقبلة، بعد الضربات المتبادلة بين الطرفين خلال الأيام الماضية وهددت بإرباك الاتفاق.
وأضاف المصدر أن الوسطاء أنشأوا قنوات اتصال خاصة لاحتواء أي حوادث جديدة ومنع التصعيد، فيما ستتواصل المحادثات الفنية بالتوازي مع الجهود السياسية الجارية.
مضيق هرمز يتصدر جدول الأعمال
وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن الأولوية لم تعد تقتصر على الملفات السياسية التقليدية، بل انتقلت إلى معالجة التوترات المرتبطة بحركة الملاحة البحرية التي باتت محور الخلاف الرئيسي بين الطرفين.
وفي هذا الإطار، نقلت “رويترز” عن مصدر إيراني رفيع أن اجتماع، الثلاثاء، سيركز بصورة أساسية على إدارة ملف مضيق هرمز وخفض التوتر، بخلاف الجولات السابقة التي استضافتها سويسرا وتركزت على ملفات أخرى من بينها البرنامج النووي الإيراني.
ويكشف هذا التحول عن التأثير المباشر للمواجهات الأخيرة على أولويات المباحثات الجارية، بعدما تبادل الطرفان الاتهامات بشأن استهداف السفن التجارية وخرق ترتيبات وقف إطلاق النار.
واشنطن تتمسك بمسار التفاوض
ورغم اللهجة الحازمة التي تستخدمها الإدارة الأمريكية، فإن تصريحات البيت الأبيض تعكس تمسكًا باستمرار العملية السياسية وعدم التخلي عن مذكرة التفاهم التي تشكل الإطار الناظم للعلاقة بين الجانبين في المرحلة الحالية.
وفي مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز“، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض “كارولين ليفيت” إن المبعوثين الأمريكيين “ستيف ويتكوف” و”جاريد كوشنر” سيتوجهان إلى الدوحة هذا الأسبوع للمشاركة في اجتماعات رفيعة المستوى، مشيرة إلى أن محادثات فنية ستُعقد على هامش تلك الاجتماعات.
وأكدت “ليفيت” أن الولايات المتحدة ملتزمة بتعهداتها المتعلقة بوقف إطلاق النار مع إيران، مضيفة أن “ترامب” يريد المضي بعملية السلام حتى نهايتها.
وفي الوقت نفسه شددت المتحدثة باسم البيت الأبيض على أن واشنطن ستواصل الرد على أي هجمات تستهدف السفن التجارية، مؤكدة أن “العنف من جانب إيران سيقابل بالعنف”، وأن الإدارة الأمريكية ترى أن توقيع اتفاق جيد مع الولايات المتحدة سيكون الخيار الأفضل لطهران.
كما اعتبرت “ليفيت” أن استمرار عملية السلام سيبقي مذكرة التفاهم سارية المفعول، محذرة من أن أي سلوك تصعيدي من جانب إيران سيؤثر على موقعها الإقليمي والدولي.
اختلاف في المواقف الإيرانية حول الاجتماعات الفنية
وعلى الجانب الإيراني، أظهرت التصريحات الرسمية استمرار المشاورات المتعلقة بآليات تنفيذ التفاهمات، مع تحفظ واضح بشأن الحديث عن اجتماعات فنية وشيكة.
فقد قال نائب وزير الخارجية الإيراني “كاظم غريب آبادي“، في تصريحات له، اليوم، إن الاجتماعات الفنية الخاصة بمجموعات العمل المنبثقة عن مذكرة التفاهم لإنهاء الحرب لم تُدرج ضمن برنامج الأسبوع الجاري.
وأضاف أن المشاورات مع قطر مستمرة، بما في ذلك متابعة تنفيذ الالتزامات الأمريكية، نافيًا صحة الأنباء التي تحدثت عن عقد اجتماعات فنية لمجموعات العمل في الدوحة خلال الأيام الحالية.
وأوضح أن الجولة الأولى من هذه المحادثات ستُعقد بعد الاتفاق على موعدها ومكانها وتوفير الظروف المناسبة لانطلاقها، مشيرًا إلى استمرار الاتصالات عبر الدول الوسيطة لترتيب هذه الخطوة.
التصعيد العسكري يفرض حضوره
ورغم التحضيرات للاجتماعات المرتقبة، لا يزال التصعيد العسكري الأخير حاضرًا بقوة في المشهد السياسي، إذ تحاول واشنطن وطهران إدارة التفاوض تحت ضغط المواجهة الميدانية.
وكان “ترامب” قد أعلن، أمس الأحد، أن الطائرات الأمريكية نفذت ضربات استهدفت مواقع لتخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إضافة إلى مواقع للرادارات الساحلية، مبررًا ذلك بما وصفه بانتهاك إيران المتكرر لاتفاق وقف إطلاق النار.
كما حذر من أن الولايات المتحدة قد تضطر إلى “إكمال المهمة عسكريًا” إذا استمر التصعيد، مؤكدًا أن صبر واشنطن ليس مفتوحًا إلى ما لا نهاية.
وتأتي هذه التصريحات في أعقاب أيام من الضربات المتبادلة التي أعادت التوتر إلى واجهة المشهد الإقليمي، رغم استمرار العمل بمذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين لإنهاء الحرب.
ترامب يروج للمكاسب الاقتصادية للتفاهمات
ولم تقتصر رسائل “ترامب” على الجوانب العسكرية والسياسية، بل امتدت إلى الملف الاقتصادي الذي تسعى الإدارة الأمريكية إلى تقديمه بوصفه أحد نتائج التفاهمات الأخيرة.
ففي منشور آخر عبر منصة “تروث سوشيال”، اليوم، أشار “ترامب إلى أن سعر خام غرب تكساس الوسيط بلغ 69 دولارًا للبرميل ويتجه إلى مزيد من الانخفاض، معتبرًا أن هذا المستوى يقل عن الأسعار التي كانت سائدة قبل بدء عملية نزع السلاح النووي الإيراني.
اختبار جديد للتفاهمات
وتكشف التطورات الأخيرة أن مفاوضات الدوحة لن تقتصر على بحث الملفات الفنية أو ترتيبات تنفيذ مذكرة التفاهم، بل ستشكل اختبارًا لقدرة واشنطن وطهران على منع التصعيد العسكري من تقويض المسار السياسي.
فبينما يتمسك الطرفان بإبقاء قنوات الحوار مفتوحة، لا تزال الخلافات المتعلقة بأمن الملاحة في مضيق هرمز وآليات تنفيذ وقف إطلاق النار تمثل التحدي الأكبر أمام تثبيت التهدئة وتحويلها إلى تفاهم أكثر استقرارًا في المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضا: التوتر في مضيق هرمز يربك مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران





