من لبنان إلى إيران.. تصعيد يهدد الاستقرار الإقليمي

من لبنان إلى إيران.. تصعيد يهدد الاستقرار الإقليمي
مشاركة المقال:
حجم الخط:

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية الممتدة من لبنان إلى الخليج، يبرز مضيق هرمز بوصفه نقطة ارتكاز استراتيجية بالغة الحساسية في معادلة الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، مع انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي، وسط مؤشرات متزايدة على هشاشة التهدئة وإمكانية عودة المواجهة.

وبحسب وكالة “رويترز“، وفق ثلاثة مصادر إيرانية قريبة من دوائر صنع القرار، تسعى إيران إلى التوصل إلى اتفاق مؤقت محدود مع الولايات المتحدة يهدف إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية المتصاعدة واستقرار الوضع الداخلي، دون تقديم تنازلات جوهرية بشأن برنامجها النووي، في إطار مقاربة تقوم على امتصاص الضغوط وإبقاء المفاوضات مفتوحة دون تغيير المواقف الأساسية.

وترى طهران، وفق المصادر ذاتها التي نقلتها “رويترز”، أن اتفاقًا ضيقًا يمكن أن يتيح شراء الوقت وتوفير متنفس مالي يخفف من التدهور الاقتصادي الداخلي، في ظل ضغوط متزايدة ناجمة عن العقوبات والتراجع المعيشي، مع إبقاء القضايا الخلافية الجوهرية مؤجلة، خصوصًا ما يتعلق بالتخصيب ومخزون اليورانيوم عالي التركيز.

وفي موازاة ذلك، لا ينفصل مسار التصعيد في الخليج عن الجبهة اللبنانية التي تشهد بدورها تداخلًا متزايدًا بين المواجهة الميدانية والتحركات الدبلوماسية، حيث أشار تقرير موقع “نيويورك بوست” إلى اتصالات أمريكية شملت إسرائيل وحزب الله ضمن جهود لاحتواء التصعيد ومنع تمدده إلى مواجهة شاملة، بالتوازي مع استمرار قنوات التواصل مع طهران.

وجاءت هذه الاتصالات، بعد أن صعّد رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو“، لهجته تجاه لبنان، عبر منصة “إكس” معلنًا أن الجيش الإسرائيلي تلقى تعليمات مباشرة باستهداف مواقع قال إنها تابعة لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت.

وأكد “نتنياهو” أن العمليات العسكرية ستتواصل في جنوب لبنان، بالتوازي مع مواصلة الضغط الميداني على مواقع “الحزب”.

وفي تطور لافت في موقف واشنطن، أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عبر منصته “تروث سوشيال” أنه أجرى اتصالات قال إنها “مثمرة” مع “نتنياهو”، إلى جانب تواصل عبر وسطاء رفيعي المستوى مع “حزب الله”، في إطار تفاهمات تهدف إلى منع اتساع رقعة الحرب، بينما أكد استمرار المحادثات مع إيران بوتيرة سريعة.

وفي السياق ذاته، وجّه اللواء “علي عبد اللهي“، قائد “مقر خاتم الأنبياء” التابع للحرس الثوري الإيراني تحذيرات مباشرة إلى إسرائيل، ملوّحًا بإمكانية استهداف المناطق الشمالية والمستوطنات في حال استمرار التصعيد ضد لبنان، معتبرًا أن أي هجوم على الضاحية الجنوبية لبيروت سيقابله رد مماثل داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي، بحسب ما نقلته “تسنيم”.

كما ربطت وزارة الخارجية الإيرانية، عبر المتحدث باسمها “إسماعيل بقائي“، بين مستقبل التهدئة في لبنان ومسار التفاهمات مع الولايات المتحدة، مؤكدة أن انتهاكات وقف إطلاق النار في لبنان تُعد من العوامل التي تعرقل تبادل الرسائل السياسية بين طهران وواشنطن، وأن الساحة اللبنانية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من أي اتفاق إقليمي شامل، وذلك خلال مؤتمر صحفي نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا”.

ويرى مراقبون أن هذا الترابط بين الجبهة اللبنانية والمفاوضات مع طهران يعكس تشابكًا مباشرًا بين مسار التهدئة في لبنان ومسار التفاوض الأمريكي الإيراني، بما يجعل أي انهيار في أحد الملفين قابلًا للانتقال الفوري إلى الآخر، خصوصًا في ظل التوتر القائم حول مضيق هرمز.

اقتصاديًا، بدأت تداعيات هذا المشهد المركب بالظهور بوضوح في أسواق النفط، فوفق بيانات أوردتها “رويترز“، تراجعت حركة العبور عبر مضيق هرمز من نحو 70 سفينة يوميًا قبل الأزمة إلى أقل من 7 سفن، مع انخفاض صادرات النفط الخام من الشرق الأوسط بنحو 8% خلال الفترة الممتدة من يناير إلى مايو، ما أدى إلى خسارة تقارب 100 مليون طن مقارنة بالعام السابق.

كما ارتفعت تكاليف الشحن بشكل غير مسبوق، حيث قفزت أسعار نقل النفط من الشرق الأوسط إلى الصين من نحو 130 ألف دولار يوميًا إلى أكثر من 500 ألف دولار في ذروة التصعيد، قبل أن تستقر نسبيًا عند مستويات تظل أعلى بكثير من المعدلات الطبيعية، ما يعكس استمرار المخاطر في المشهد الدولي على سلاسل الإمداد العالمية، وفقا لـ”رويترز“.

وتشير مجمل التطورات إلى أن الجبهة اللبنانية لم تعد ملفًا منفصلًا عن التفاوض الإيراني الأمريكي، بل أصبحت جزءًا من معادلة الضغط الإقليمي، حيث يرتبط أي تصعيد في بيروت مباشرة بمسار المحادثات النووية وبأمن الملاحة في الخليج، وعلى رأسها مضيق هرمز.

ويعزز هذا الترابط من احتمالات توسع الصراع في حال انهيار التفاهمات الحالية، خاصة مع اعتماد الاقتصاد العالمي بشكل كبير على تدفقات الطاقة عبر الممرات البحرية الحساسة في المنطقة.

وبوجه عام، تتقاطع الجهود الدبلوماسية الهشة بين واشنطن وطهران مع تصعيد عسكري متزامن في لبنان ورسائل ردع إيرانية متزايدة، ما يجعل مضيق هرمز ليس فقط محورًا للطاقة العالمية، بل نقطة ارتكاز حساسة في معادلة التوازنات الجيوسياسية.

اقرأ أيضا: تعثر المساعي الأمريكية لاحتواء التصعيد في لبنان وإسرائيل تهدد بيروت

مقالات مقترحة

عرض الكل