في الثامن والعشرين من فبراير، اشتعل فتيل لم يكن العالم في حسبانه. فما بدأ كتصعيد عسكري أمريكي إسرائيلي ضد إيران، تحول في غضون أسابيع إلى زلزال اقتصادي يعيد تشكيل خارطة الطاقة والتجارة والسياسة النقدية العالمية.
مضيق هرمز، ذاك الممر المائي الذي تعبره يوميا نحو خمس تجارة النفط العالمية، أُغلق شبه كليا. وفجأة، وجد العالم نفسه أمام مشهد لم يره منذ عقود: فائض نفطي قياسي يتبخر ليحل محله نقص تاريخي في الإمدادات، بينما تتطاير أحلام خفض أسعار الفائدة التي علقت عليها الأسواق آمالا كبارا.
بعد مئة يوم من الحرب، لم يعد السؤال: هل تأثر الاقتصاد العالمي؟ بل: كيف أعادت هذه الحرب رسم قواعده بالكامل؟
الصدمة الأولى: نفط العالم يختنق
أدى إغلاق مضيق هرمز إلى فقدان أكثر من 10% من إمدادات النفط العالمية، وحتى مع احتساب الطرق البديلة المحدودة، فإن الكمية التي خرجت من السوق لا يمكن تعويضها بسهولة، والنتيجة كانت متوقعة، إذ قفز متوسط سعر خام برنت إلى 102 دولار للبرميل منذ بداية الحرب، وهو مستوى لم يبلغه منذ سنوات.
لكن اللافت في هذه الأزمة أن الأسواق أخطأت في تقدير المخاطر في البداية. فحين وضعت “بلومبرغ إيكونوميكس” سيناريوهاتها قبل الحرب، توقعت أن يصل سعر برنت إلى 108 دولارات للبرميل في حال إغلاق المضيق. وعندما وقعت الصدمة فعلا، ترددت الأسواق قبل أن تستوعب حجم الكارثة، لكنها سرعان ما تداركت الأمر ليستقر النفط فوق حاجز المئة دولار.
ولم تقتصر التداعيات على النفط وحده؛ فمنطقة الشرق الأوسط ليست مجرد خزان للخام، بل هي مصدر حيوي للأسمدة والهيليوم والمدخلات الصناعية. وفجأة، أصبح توفر هذه المواد موضع شك، مما هز سلاسل التوريد العالمية التي لم تكن قد تعافت بالكامل من صدماتها السابقة.
والجديد ليس أن التوترات الجيوسياسية موجودة في الشرق الأوسط، بل أنها بدأت هذه المرة تقلص كميات النفط فعلياً من الأسواق.
الصدمة الثانية: البنوك المركزية تحت الحصار
إذا كان النفط هو دم الاقتصاد العالمي، فإن أسعار الفائدة هي جهازه العصبي. وقبل الحرب، كانت الأسواق المالية تراهن على بدء دورة تيسير نقدي هذا العام، مع توقعات بخفض أسعار الفائدة الأمريكية تزامناً مع تراجع التضخم، لكن حرب إيران قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب.
فارتفاع أسعار النفط يغذي التضخم عبر قناتين: قناة مباشرة: من خلال أسعار الوقود والنقل، وقناة غير مباشرة: عبر ارتفاع تكاليف الإنتاج والمواد الخام.
والنتيجة أن البنوك المركزية الكبرى وجدت نفسها مضطرة لإعادة النظر في خططها بالكامل. ففي الولايات المتحدة، تحول التيسير النقدي من احتمال قريب إلى أمنية بعيدة المنال. أما في منطقة اليورو والمملكة المتحدة فالأمر أكثر حدة، إذ على الأسر أن تستعد ليس فقط لارتفاع فواتير الطاقة، بل لاستمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض أيضاً.
هذا المأزق يعيد إلى الأذهان شبح عام 2022، حين اندفعت البنوك المركزية لرفع الفائدة لمواجهة التضخم الناتج عن حرب أوكرانيا، لكنه يختلف هذه المرة في أن الحيز المتاح للمناورة أضيق، والديون الحكومية أعلى، والنمو العالمي أبطأ.
الصدمة الثالثة: إعادة توزيع الدخل العالمي
حين يرتفع النفط، لا يدفع الجميع الفاتورة بالتساوي. هذه المرة، المستفيدون الأكبر هم المصدرون البعيدون عن مناطق النزاع، حيث تتصدر روسيا وكندا والنرويج قائمة الرابحين، إذ تبيع نفطها بأسعار أعلى دون أن تتعرض صادراتها للخطر.
أما الخاسر الأكبر فيتمثل في الصين والهند وأوروبا، التي تدفع فاتورة الطاقة المرتفعة من احتياطياتها ومدخراتها. وتقدر بيانات البنك الدولي أن ارتفاع أسعار النفط بقيمة 10 دولارات للبرميل يكلف الهند حوالي 0.3 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي، ويرفع فاتورة دعم الوقود في الصين بنحو 15 مليار دولار سنويا.
في المقابل، تغير وضع الولايات المتحدة جذريا عن حرب العراق عام 2003؛ إذ تحولت من مستورد رئيسي للنفط إلى مصدر صاف، مما خفف من وطأة الصدمة على اقتصادها نسبيا، وجعلها أقل عرضة للابتزاز الجيوسياسي عبر ملف الطاقة.
داخل الخليج والجوار.. تباين في المكاسب والخسائر
على مسرح الشرق الأوسط وآسيا، لم تكن تداعيات الحرب متساوية:
سلطنة عمان: تتصدر قائمة الرابحين الأكبر؛ إذ أدى ثبات حجم إنتاجها مع ارتفاع الأسعار العالمية إلى تدفق إيرادات إضافية ضخمة.
السعودية والإمارات: تحققان وضعاً أفضل من نقطة التعادل في موازناتهما، مما يمنحهما هامشا ماليا مريحا لدعم الإنفاق الداخلي أو ضخ استثمارات جديدة.
إيران: تقف في معسكر الخاسرين رغم ارتفاع أسعار النفط، فالحصار والعقوبات المشددة قلصا قدرتها على تصدير خامها، مما حول ارتفاع الأسعار إلى فرصة ضائعة.
البحرين والعراق والكويت وقطر: ورغم أنها دول مصدرة، فإن مكاسبها ظلت محدودة نسبيا لأسباب تتعلق بتركيبة إنتاجها، أو التزاماتها التعاقدية، أو تكاليف دعمها الداخلي.
الهند: تفيد تقارير الأمم المتحدة بأن ارتفاع أسعار الأسمدة المرتبط بالحرب يهدد بتقليص المحاصيل الزراعية بنسبة تصل إلى 8% هذا الموسم، مما يضاعف خطر أزمة غذاء في قلب آسيا.
ثلاثة سيناريوهات للمستقبل
بعد مئة يوم من حرب إيران، يقف العالم على مفترق طرق لا يحسد عليه أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة:
استمرار حالة اللايقين الراهنة: حيث يظل المضيق مغلقاً وتبقى الأسعار مرتفعة والنمو بطيئاً.
اتفاق لوقف إطلاق النار: يعيد فتح الممرات المائية وينهي النقص الحاد في الإمدادات.
تجدد الأعمال العدائية واتساع نطاقها: وهو ما سيكلف المزيد من الأرواح ويلحق ضررا بليغا بمصادر الرزق حول العالم.
وبعيدا عن السيناريوهات، هناك يقين واحد أن الاقتصاد العالمي الذي كان قائما قبل 28 فبراير قد انتهى. فالحرب لم تقلب أسواق النفط فحسب، بل قلبت معها سياسات البنوك المركزية، وخرائط المستفيدين والخاسرين، ومستقبل النمو.
وبينما تدور المفاوضات في الكواليس الدبلوماسية، يدفع المستهلك العادي في شنغهاي وبرلين ومومباي الفاتورة كل يوم في محطة الوقود، منتظرا ما ستسفر عنه لعبة الأمم التي لم يشارك فيها قط.





