مع اقتراب مصر من الحصول على الشريحة السابعة من قرض صندوق النقد الدولي، بقيمة تقارب 1.6 مليار دولار، تتجه الأنظار إلى الرسائل التي حملها بيان بعثة الصندوق عقب التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، والتي تعد تمهيدًا لعرض الملف على مجلس إدارة الصندوق لاعتماد صرف التمويل الجديد.
ورغم أن البيان تضمن إشادة واضحة بأداء الاقتصاد المصري خلال الأشهر الماضية، فإنه حمل أيضًا مجموعة من التوصيات التي اعتبرها الصندوق ضرورية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي واستكمال مسار الإصلاح، في ظل استمرار التحديات العالمية والإقليمية.
وبحسب ما قاله، فإنه حال موافقة مجلس الإدارة، ستحصل مصر على نحو 1.5 مليار دولار ضمن برنامج التسهيل الممدد، بالإضافة إلى نحو 136 مليون دولار في إطار آلية المرونة والاستدامة، ليصل إجمالي التمويلات التي حصلت عليها مصر من البرنامجين إلى نحو 7.2 مليار دولار.
إشادة بأداء الاقتصاد المصري
استهل صندوق النقد بيانه بالإشارة إلى أن الاقتصاد المصري أظهر قدرًا من الصمود أمام تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، معتبرًا أن تأثير الأزمة جاء “محدودًا نسبيًا”، بفضل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في توقيت مناسب.
وأوضح الصندوق أن من بين هذه الإجراءات تعديل أسعار الوقود والكهرباء، وترشيد استهلاك الطاقة داخل الجهات الحكومية، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، إلى جانب زيادة مخصصات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا، وهو ما ساعد على احتواء الضغوط الخارجية والمالية.
كما لفت إلى أن الاقتصاد حقق نموًا قويًا بلغ 5% خلال الربع الثالث من العام المالي، بينما وصل متوسط النمو خلال الأشهر التسعة الأولى إلى 5.2%، وهي معدلات اعتبرها الصندوق إيجابية في ظل الظروف الإقليمية والدولية.
وأشار كذلك إلى أن الاحتياطيات الدولية ظلت مستقرة بصورة عامة حتى نهاية مارس 2026، بينما ساهمت عودة التدفقات الاستثمارية إلى الأسواق الناشئة، بعد الإعلان عن الاتفاق الأمريكي الإيراني، في تعويض جانب كبير من الضغوط التي تعرض لها الجنيه المصري مع بداية التوترات الإقليمية.
أولًا.. استمرار مرونة سعر الصرف
أولى الرسائل التي ركز عليها صندوق النقد كانت ضرورة الحفاظ على مرونة سعر الصرف، مؤكدًا أن التجربة الأخيرة أثبتت أن الجنيه المرن كان قادرًا على امتصاص الصدمات الناتجة عن خروج بعض الاستثمارات الأجنبية.
وأوضح الصندوق أن مرونة سعر الصرف ينبغي أن تظل خط الدفاع الأول أمام أي اضطرابات خارجية، سواء كانت مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية أو تحركات رؤوس الأموال أو تقلبات الأسواق العالمية.
ويعكس هذا التوجه استمرار التزام مصر بنظام سعر الصرف المرن، باعتباره أحد أهم شروط برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع الصندوق.
ثانيًا.. الإبقاء على السياسة النقدية المتشددة
ورغم تراجع التضخم مقارنة بذروته خلال العامين الماضيين، فإن صندوق النقد يرى أن الضغوط السعرية لم تنته بعد.
وأشار البيان إلى أن معدل التضخم في المدن بلغ 14.6% خلال مايو، مع توقعات بارتفاعه إلى نحو 15.8% بنهاية العام المالي، نتيجة تأثير ارتفاع أسعار الطاقة، وانعكاسات انخفاض قيمة العملة خلال فترة الحرب، بالإضافة إلى عوامل داخلية أخرى.
لذلك، أوصى الصندوق البنك المركزي المصري بالاستمرار في اتباع سياسة نقدية متشددة، لضمان احتواء التضخم ومنع انتقال آثار زيادة أسعار الطاقة إلى باقي أسعار السلع والخدمات.
ثالثًا.. الحفاظ على الانضباط المالي
وأشاد صندوق النقد بالأداء المالي للحكومة خلال العام المالي الحالي، مؤكدًا أن الإيرادات الضريبية تجاوزت المستهدف، كما حققت الدولة فائضًا أوليًا أعلى من المخطط.
ويتوقع الصندوق أن يرتفع الفائض الأولي إلى نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي الجديد، وهو ما اعتبره عنصرًا أساسيًا لضمان استمرار انخفاض الدين العام.
وأكد أن الحفاظ على هذا المستوى من الانضباط المالي يمثل أحد أهم أدوات تعزيز الثقة في الاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة.
رابعًا.. زيادة الإيرادات الضريبية دون إثقال المواطنين
ومن بين أهم التوصيات التي وردت في البيان، ضرورة مواصلة جهود تعبئة الإيرادات المحلية عبر توسيع القاعدة الضريبية وتحسين كفاءة الإدارة الضريبية.
وأوضح الصندوق أن هذه الجهود بدأت تؤتي ثمارها بالفعل، حيث من المتوقع أن ترتفع نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1.2% خلال العام الحالي.
وأشار إلى أن نسبة الضرائب في مصر لا تزال أقل من العديد من الأسواق الناشئة، ما يعني وجود مساحة لتحسين الحصيلة الضريبية من خلال دمج الاقتصاد غير الرسمي وتطوير الإدارة الضريبية، وليس بالضرورة عبر فرض ضرائب جديدة.
خامسًا.. خفض الدين العام
وأكد صندوق النقد أن إدارة الدين العام ستظل من أكبر أولويات الحكومة خلال المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أهمية تنفيذ خطة خفض احتياجات التمويل بنحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العامين الماليين الحالي والمقبل، من خلال إطالة آجال استحقاق أدوات الدين، وتنفيذ عمليات لإدارة الالتزامات، والاستفادة من حصيلة برنامج التخارج من الأصول.
ويرى الصندوق أن هذه الخطوات ستساهم في تقليل المخاطر المالية وتعزيز استدامة الدين العام على المدى المتوسط.
سادسًا.. الإسراع في الإصلاحات الهيكلية
وشدد الصندوق على أن النمو المستدام لا يمكن أن يتحقق دون دور أكبر للقطاع الخاص.
ولهذا طالب صندوق النقد بالإسراع في تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة، مع تسريع برنامج الطروحات الحكومية، وتقليص وجود الدولة في القطاعات التي سبق الإعلان عن خروجها منها.
كما دعا إلى تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز المنافسة، وتبسيط الإجراءات، ورفع مستويات الشفافية والحوكمة، بما يسمح بجذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية وخلق فرص عمل جديدة.
سابعًا.. توسيع الحماية الاجتماعية
ورغم إشادة الصندوق بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة لحماية الفئات الأكثر احتياجًا، فإنه أكد أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع برامج الدعم النقدي وزيادة كفاءة شبكات الأمان الاجتماعي.
وأوضح أن استمرار الإصلاحات الاقتصادية يجب أن يتزامن مع توفير حماية أكبر للأسر محدودة الدخل، لضمان تخفيف آثار ارتفاع الأسعار والإجراءات الإصلاحية.
مخاطر لا تزال قائمة
ورغم التقييم الإيجابي، أكد صندوق النقد أن الاقتصاد المصري لا يزال يواجه عددًا من المخاطر الخارجية.
وأشار إلى أن أي تصاعد جديد في التوترات الجيوسياسية أو ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا قد يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية، وتشديد الأوضاع المالية، والتأثير على تدفقات الاستثمار الأجنبي.
وفي المقابل، يرى الصندوق أن تحسن الأوضاع الإقليمية وهدوء التوترات قد يسهمان في دعم ثقة المستثمرين، وزيادة التدفقات الرأسمالية، وتحسين الأداء الاقتصادي.
ويمثل الاتفاق على مستوى الخبراء خطوة مهمة نحو صرف الشريحة السابعة، إلا أن دخول التمويل إلى الخزانة المصرية يظل مرهونًا بموافقة مجلس إدارة صندوق النقد الدولي خلال الفترة المقبلة.
وفي الوقت نفسه، تؤكد الرسائل الواردة أن الصندوق ينظر بإيجابية إلى أداء الاقتصاد المصري، لكنه يعتبر أن الحفاظ على هذا المسار يتطلب استمرار تنفيذ الإصلاحات بنفس الوتيرة، خاصة في ملفات مرونة سعر الصرف، والسياسة النقدية، وضبط المالية العامة، وخفض الدين، وتمكين القطاع الخاص، وتعزيز الحماية الاجتماعية، باعتبارها الركائز الأساسية لتحقيق نمو اقتصادي أكثر استدامة وقدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.






