تشهد الأسواق العالمية للاقتصاد والطاقة تداعيات متصاعدة للحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، بالتوازي مع تشديد واشنطن إجراءاتها على الموانئ الإيرانية في الخليج ومضيق هرمز، في وقت تتقاطع فيه التحذيرات الدولية من دخول الاقتصاد العالمي مرحلة أكثر هشاشة مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتعطل سلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، تتسع دائرة التحذيرات الدولية بشأن انعكاسات الحرب على إيران على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، حيث حذّر “صندوق النقد الدولي” خلال مؤتمر صحفي حول آفاق الاقتصاد العالمي من أن النشاط الاقتصادي العالمي يواجه اختبارًا جديدًا مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، موضحًا أن افتراض بقاء الصراع محدودًا زمنًا ونطاقًا يشير إلى تباطؤ النمو العالمي إلى 3.1% في عام 2026 و3.2% في 2027، مع توقع ارتفاع طفيف في معدلات التضخم خلال 2026 قبل أن يعاود مساره التراجعي في 2027.
وفي ظل تزايد هشاشة التعافي الاقتصادي العالمي أمام الصدمات الجيوسياسية، أكد “الصندوق” أن الاقتصادات الناشئة والنامية ستكون الأكثر تضررًا، مع تصاعد المخاطر المرتبطة باتساع الصراع وتفاقم التجزئة الجيوسياسية واضطراب توقعات الإنتاجية والتوترات التجارية، بما قد يضعف النمو ويزيد من اضطراب الأسواق المالية، في وقت يعمّق فيه ارتفاع الدين العام وتراجع الثقة المؤسسية هشاشة الاقتصاد العالمي.
اقرأ أيضا: ترامب يلوّح بحصار بحري وتدمير السفن الإيرانية وطهران تتوعد برد شامل
وعلى خلفية هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى استجابة الحكومات والمؤسسات المالية الدولية لارتفاع أسعار الطاقة، إذ نقلت وكالة “رويترز” أن الحرب على إيران باتت تثقل كاهل الاقتصاد العالمي مع انطلاق اجتماعات صندوق النقد الدولي في واشنطن، وسط اتجاه عدد من الدول إلى إعلان إجراءات دعم طارئة لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة، فيما دعت دول أخرى إلى دعم دولي أوسع.
وأشارت “الوكالة” إلى أن الصراع، الذي يُعد ثالث أكبر صدمة للاقتصاد العالمي بعد جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا، يتصدر أجندة اجتماعات المسؤولين الماليين الفترة القادمة، في ظل تراجع آمال استئناف شحنات النفط عبر مضيق هرمز عقب فشل المحادثات الأمريكية الإيرانية في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، ما زاد من هشاشة وقف إطلاق النار.
اقرأ أيضا: ترامب: لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي أو ابتزاز العالم بإغلاق مضيق هرمز
ومع تفاقم تداعيات الأزمة، أعلنت حكومات أوروبية حزم دعم واسعة، إذ أقرت ألمانيا خفضًا في أسعار الوقود بقيمة 1.6 مليار يورو عبر تقليص الرسوم على الديزل والبنزين، بينما وصفت الحكومة الألمانية، بحسب “رويترز”، الحرب بأنها السبب المباشر للأزمات الداخلية.
ونقلت صحيفة “الجارديان” البريطانية عن صندوق النقد الدولي أن صدمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران تُعد في شدتها مماثلة لصدمة أسعار النفط عام 1974.
وبحسب “الصحيفة”، أوضح كبير الاقتصاديين في الصندوق “بيير أوليفييه جورينشاس” خلال مؤتمر صحفي، أنه في حال توقف الصراع فإن العجز في إمدادات النفط خلال العام سيكون مماثلًا لأزمة السبعينيات من حيث متوسط الكميات المسحوبة من السوق سنويًا، مضيفًا أن هذه الصدمة يمكن مقارنتها بصدمة النفط عام 1974.
اقرأ أيضا: مفاوضات إسلام آباد قد تُستأنف وسط الحصار الأمريكي على إيران
في هذا الصدد، تتزايد المؤشرات على انتقال صدمة الطاقة إلى أسواق الإمدادات بشكل مباشر، إذ حذّرت “وكالة الطاقة الدولية” من صدمة تاريخية في إمدادات النفط، مع تراجع الإنتاج العالمي بأكثر من 10 ملايين برميل يوميًا في مارس، وانخفاض تدفقات مضيق هرمز من 20 مليون برميل يوميًا إلى 3.8 مليون فقط في أوائل أبريل، ما دفع أسعار خام برنت إلى مستويات بلغت 130 دولارًا للبرميل في السوق الفورية، وفقا لشبكة “يورونيوز بيزنس“.
وأشارت “يورونيوز بيزنس”، إلى انهيار إنتاج أوبك بلس، حيث تراجع إنتاج السعودية من 10.4 إلى 7.25 مليون برميل يوميًا، وانخفض إنتاج العراق بنحو الثلثين، إلى جانب تراجع حاد في الكويت والإمارات، ما أدى إلى عجز واسع في السوق رغم محاولات إعادة توجيه الإمدادات عبر مسارات بديلة محدودة السعة.
وعلى خلفية التوترات المتصاعدة في أسواق الطاقة، تتسع تداعيات الأزمة لتشمل ما وصفته “يورونيوز بيزنس” بتدمير الطلب في قطاعات البتروكيماويات والطيران، مع تراجع الاستهلاك العالمي بملايين البراميل يوميًا، وارتفاع تكاليف التكرير إلى مستويات قياسية في أسواق مثل سنغافورة، إضافة إلى انخفاض ملحوظ في المخزونات العالمية، رغم تراكمها في بعض المناطق التي يصعب تصريفها بسبب القيود الجغرافية واللوجستية.
وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية عقب إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، الذي منح آمالًا محدودة بتهدئة الأزمة، تبنت “وكالة الطاقة الدولية” موقفًا حذرًا، مؤكدة أن مستقبل الهدنة لا يزال غير واضح بين احتمال تحولها إلى سلام دائم أو عودة تدفقات الشحن لطبيعتها، وحذرت من أنه في حال غياب تسوية تفاوضية دائمة، فإن العالم مهيأ لسيناريو صراع ممتد قد يشهد اضطرابات أشد في أسواق الطاقة خلال النصف الثاني من هذا العام، بحسب “يورونيوز بيزنس”.
اقرأ أيضا: ماكرون يدعو لاستئناف مفاوضات إسلام آباد وتهدئة التصعيد بين طهران وواشنطن







