علماء يبرزون أسرار “ليلة القدر” ويحذرون: “الشحناء” حجابٌ يمنع فيوضات الرحمة

علماء يبرزون أسرار “ليلة القدر” ويحذرون: “الشحناء” حجابٌ يمنع فيوضات الرحمة
مشاركة المقال:
حجم الخط:

​أكد علماء وباحثون أن ليلة القدر هي ليلة الشرف التي اتصلت فيها السماء بالأرض بنزول الوحي الخالد، واصفين إياها بأنها “بوابة الوصل العظمى، وميراث النبوة الخالد الذي يُجدد فينا العهد مع الله ومع القرآن الكريم”.

​أسرار التسمية ودلالات القدر

​قال الدكتور عبد الله خيري، من علماء الأزهر الشريف، إن”ليلة القدر” تحتوي على أسرار تجعل قلب السالك يتقلب بين مقام الهيبة وعظمة القدس، وبين مقام الرجاء وسعة الفضل الإلهي، وتتلخص في:

​تقدير المقادير: فيها تُبرم أحكام السنة وتُنقل من اللوح المحفوظ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “يكتب في أمِّ الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنَة من الخير والشرِّ والأرزاق والآجال” [التفسير البسيط (٢٠/‏٩٥) الواحدي].

​عظمة الشأن: فهي ليلة ذات “قدر” وقيمة؛ لأن العظيم أنزل فيها كتابًا ذا قدر، على رسولٍ ذي قدر، لأمةٍ ذات قدر.

​قدر العمل: العبادة فيها تزن في ميزان الله أكثر من عبادة ٨٣ سنة؛ لقوله تعالى: ﴿لَیۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَیۡرࣱ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرࣲ﴾ [القدر: ٣].

​إنزل القرآن: ليلة الشرف التي اتصلت فيها السماء بالأرض بنزول الوحي الخالد.

​منهج التماس الأنوار في العشر الأواخر

​وأضاف الدكتور عبد الله خيري، أن المنهج النبوي الشريف يعلمنا أن هذه الليلة تُطلب في العشر الأواخر من رمضان، وفي الأوتار منها آكد، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «تَحَرَّوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» [البخاري (٢٠١٧)].

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَواطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» [البخاري (٢٠١٥) ومسلم (١١٦٥)].

ومال كثير من العلماء لليلة السابع والعشرين بقرائن عددية وروحية، لكن العبد الرباني يجتهد في العشر كلها لينال فضلها.

​حكمة الإخفاء والتحذير من شؤم “الشحناء”

​وأضاف أنه حول سبب رفع تعيين وقتها، ليظل المسلم في حالة يقظة دائمة، والسر الأهم هو التنبيه على شؤم العداوة والشحناء”، مستشهدًا بما رواه سيدنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ» [البخاري (٢٠٢٣)].

​وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له، فلما انقضين أمر بالبناء فقوِّض، ثم أبينت له أنها في العشر الأواخر، فأمر بالبناء فأعيد، ثم خرج على الناس فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا كَانَتْ أُبِينَتْ لِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَإِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِهَا، فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَنُسِّيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ».

​وأكد الدكتور عبد الله خيري أن الشحناء “هي الحجاب الذي يقطع الأرحام، ويفكك روابط الألفة بين الجيران والخلان، ومن هنا كانت مقاصد الشريعة حريصة على اجتثاث غوائل الحقد”.

​علامات ليلة القدر وأماراتها

​وأوضح الدكتور عبد الله خيري أن الأمارات التي يُبشر بها أهل الوصل، لليلة القدر منها:

​طلوع الشمس بيضاء لا شعاع لها: كما جاء في حديث أُبيَّ بن كعب رضي الله عنه في صحيح مسلم.

​ليلة طلقة لا برد فيها ولا حر: فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةٌ طَلِقَةٌ لَا حارَّةٌ وَلَا بارِدَةٌ، تُصْبِحُ الشَّمْسُ يَوْمَهَا حَمْراءَ ضَعِيفةً».

​كثرة الملائكة: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّهَا لَيْلَةُ سَابِعَةٍ أَوْ تَاسِعَةٍ وَعِشْرِينَ، إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى».

​برنامج “أهل الله” في ليلة القدر

​وأوضح “خيري” أنه دعا العلماء السائرين إلى الله للتخلق بأخلاق المصطفى ﷺ عبر برنامج يشمل: الاعتكاف، مدارسة القرآن الكريم والجود والكرم، القيام، إيقاظ الأهل، والدعاء والتضرع بالصيغة التي علمها النبي ﷺ للسيدة عائشة: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».

​فقه العبادة للحائض والنفساء

​وفي إجابة عن كيفية تعبد الحائض والنفساء، أوضح “خيري”: “يمكن لذواتِ الحيض والنفاس أن يُحْيِينَ ليلة القدر بترك ما منعهنَّ الشرع الشريف منه حال العذر إذا قصدن الامتثال في الترك، ثم يفعلن ما تيسر لهنَّ من الطاعات والقربات، فيغتنمنَ الليلة بالإكثار من الذكر، والاستغفار، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والصلاة على النبي الأمين، والتصدق، والدعاء بالمأثور وغيره، وسماع القرآن والإنصات إليه، وقراءته بالعين لا باللسان على الذِّكر لا التعبد”.

​واختتم الدكتور عبد الله خيري تصريحاته قائلًا: “ليلة القدر هي فرصة العمر وموسم التجلي، فاجعلوا قلوبكم أوعيةً لرحمة الله، وطهروها من الكراهية لتستقبلوا أنوار الملائكة، اللهم اجعلنا ممن نال عفوك، واتصل بمددك، وفاز بشفاعة نبيك ﷺ في هذه الليلة المباركة”.

مقالات مقترحة

عرض الكل