لم يعد الحديث عن تعميق التصنيع المحلي في مصر مجرد توجه نظري أو هدف طويل الأجل، بل تحول إلى واقع عملي تفرضه التحديات الاقتصادية العالمية، وتدعمه تحركات حكومية متسارعة بالتوازي مع نماذج صناعية بدأت تفرض حضورها على الأرض، وفي مقدمتها تجربة مجموعة “العربي” التي رفعت نسبة المكون المحلي في إنتاجها إلى نحو 90%.
جامعة عين شمس تنظم معرض «الشركات المصرية» لدعم الصناعة الوطنية
هذا التطور يعكس تحولًا مهمًا في بنية الصناعة، حيث لم تعد الشركات الكبرى تعتمد بشكل رئيسي على الاستيراد، بل اتجهت إلى بناء سلاسل إنتاج محلية أكثر تكاملًا، بما يقلل من التعرض لتقلبات الأسواق الخارجية، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي أثرت على سلاسل الإمداد العالمية ورفعت تكلفة مدخلات الإنتاج.
اللقاء الذي جمع وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد مع قيادات المجموعة جاء ليؤكد أن الدولة تراهن على هذا المسار، من خلال دعم الكيانات الصناعية الوطنية وتذليل التحديات التي تواجهها، سواء على مستوى الإجراءات أو التمويل، بما يضمن تعظيم الطاقات الإنتاجية وتشغيل المصانع بكفاءة أعلى.
وفي هذا الإطار، تعمل الحكومة على تطوير منظومة الحوافز الاستثمارية لتصبح أكثر ارتباطًا بالإنتاج الفعلي والقيمة المضافة، وهو ما ينسجم مع هدف رفع المكون المحلي، باعتباره أحد أهم المؤشرات على قوة الصناعة وقدرتها على تقليل الاعتماد على الواردات، وبالتالي تخفيف الضغط على العملة الأجنبية.
في المقابل، قدمت مجموعة “العربي” نموذجًا عمليًا لهذا التوجه، حيث نجحت في تعزيز الاعتماد على الصناعات المغذية المحلية، وهو ما ساهم في الوصول إلى نسبة مرتفعة من المكون المحلي داخل عملياتها الإنتاجية، إلى جانب قدرتها على تلبية احتياجات السوق بمنتجات متنوعة.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن تعميم هذا النموذج يظل مرتبطًا بعدة تحديات، يأتي في مقدمتها تكلفة الإنتاج المحلي مقارنة بالمستورد، خاصة في ظل استمرار الاعتماد الجزئي على بعض المكونات الخارجية، فضلًا عن تأثير تقلبات سعر الصرف على هيكل التكلفة.
كما أن نجاح هذا التوجه يتطلب تطويرًا متوازيًا في الصناعات المغذية، باعتبارها العمود الفقري لأي عملية تصنيع متكاملة، إذ إن غيابها أو ضعفها يحد من قدرة المصانع على زيادة نسب المكون المحلي بشكل مستدام.
المناقشات التي شهدها الاجتماع لم تغفل هذه التحديات، حيث تناولت تأثير المتغيرات الاقتصادية العالمية على تكاليف الإنتاج ودورة رأس المال، إلى جانب بحث سبل الاستفادة من قانون الاستثمار وتعديلاته، خاصة في القطاعات المرتبطة بالصناعات الكهربائية والإلكترونية والخدمات اللوجستية.
التحرك الحكومي في هذا الملف لا يقتصر على وضع السياسات، بل يمتد إلى التنسيق بين الجهات المختلفة لتسريع حل المشكلات التي تواجه المستثمرين، بما يخلق بيئة أكثر مرونة واستجابة، ويعزز من قدرة القطاع الخاص على التوسع.
وفي ظل هذه المعطيات، يظل رفع المكون المحلي أحد أهم الرهانات المطروحة لتعزيز قدرة الصناعة المصرية على الصمود أمام الصدمات الخارجية، لكن نجاح هذا الرهان يتوقف على استمرارية الدعم، وتكامل السياسات، وقدرة السوق على بناء قاعدة صناعية متماسكة قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.



