حرب الشرق الأوسط تدفع أسواق الغذاء لحافة الهاوية وتنذر بمجاعة عالمية

حرب الشرق الأوسط تدفع أسواق الغذاء لحافة الهاوية وتنذر بمجاعة عالمية
مشاركة المقال:
حجم الخط:

تتجه سلاسل الإمداد الغذائي العالمي نحو منطقة خطر غير مسبوقة، مدفوعة بلهيب التصعيد العسكري والضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

هذا الصراع، الذي لم تقف تداعياته عند حدود الشرق الأوسط، أحدث هزات ارتدادية عنيفة طالت الأمن الغذائي العالمي، حيث يواجه ملايين البشر خطر الانزلاق إلى مستويات مخيفة من الجوع الحاد.

ومع اشتعال أسعار الوقود واضطراب خطوط الملاحة البحرية، تقف الأسواق الدولية اليوم أمام توازن هش للغاية يُنذر بكارثة إنسانية واقتصادية تُهدد الدول النامية والمتقدمة على حد سواء.

مؤشر “فاو”.. استقرار ملغوم

وفقا لأحدث بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “فاو”، استقر مؤشر أسعار الغذاء العالمية في مايو قرب أعلى مستوياته منذ أكثر من 3 سنوات، مسجلا 130.8 نقطة (بتراجع طفيف يعادل 0.2 نقطة عن أبريل).

ورغم أن الأسعار الحالية أقل بنحو 18.4% من ذروتها التاريخية المسجلة في مارس 2022، إلا أنها سجلت ارتفاعا بنسبة 2.9% مقارنة بالعام الماضي، مما يعكس حالة تذبذب حاد تحكمها العوامل التالية:

  • أزمة المدخلات الزراعية: تسببت الاضطرابات في مضيق هرمز في عرقلة تدفقات الوقود والأسمدة، ما أدى لارتفاع كلفة إنتاج المحاصيل الاستراتيجية مثل الذرة والأرز والقمح.

  • مخاوف الإنتاج المستقبلي: تحذر تقارير دولية من تراجع المحاصيل في المواسم المقبلة نتيجة قلق كبار المزارعين من كلفة الإنتاج المرتفعة، حيث تتوقع “فاو” انخفاض إنتاج الحبوب العالمي في موسم 2026/2027 بنسبة 2% ليصل إلى 2.982 مليار طن، لاسيما القمح.

خريطة بورصة الغذاء

توضح المؤشرات الفرعية لحركة الأسواق العالمية ضغوطا متباينة في مختلف القطاعات:

  • مؤشر أسعار الحبوب: ارتفع بنسبة 2.6% ليصل إلى 114.3 نقطة، مدفوعاً بارتفاع أسعار القمح للشهر الرابع على التوالي نتيجة ضعف محصول القمح الشتوي الأمريكي، وصعود أسعار الذرة بدعم من زيادة الطلب وتراجع المعروض في البرازيل وأمريكا.

  • مؤشر أسعار الأرز: سجل ارتفاعاً بنسبة 2.7% نتيجة مخاوف من تقلبات الطقس وارتفاع أسعار النفط ومشتقاته في الأسواق الآسيوية المصدرة.

  • مؤشر أسعار السكر: قفز بنسبة 7.5% ليصل إلى 95.1 نقطة، مسجلاً أعلى مستوى منذ أكتوبر 2025؛ بسبب توجه البرازيل لتحويل جزء أكبر من قصب السكر نحو إنتاج الإيثانول بدلا من السكر.

  • مؤشر الزيوت النباتية: انخفض بنسبة 4.6% إلى 185 نقطة، مسجلاً أول تراجع شهري في 2026 بفضل هبوط أسعار زيتي النخيل والصويا، رغم شح إمدادات عباد الشمس أوروبيا.

  • الألبان واللحوم: سجلت الألبان تراجعاً طفيفاً بنسبة0.5%، بينما استقرت أسعار اللحوم عند 130.5 نقطة، مما يعكس توازنا ضعيفا للغاية يحكم الأسواق الحالية.

تحذيرات “برنامج الأغذية العالمي”

على المقلب الإنساني، أطلق برنامج الأغذية العالمي تحذيراً شديد اللهجة يفيد بأن استمرار بقاء أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل منذ أوائل مارس سيعجل بتحقق أسوأ السيناريوهات.

وتوقع البرنامج أن يدفع هذا الصراع بنحو 45 مليون شخص إضافي إلى أتون انعدام الأمن الغذائي الحاد، ليضافوا إلى 318 مليون جائع بالفعل، ما قد يرفع الإجمالي العالمي إلى 363 مليون شخص يواجهون الجوع الشديد خلال عام 2026 إذا استمر التصعيد.

تسببت ضربات أواخر فبراير على إيران في شلل طرق الشحن الرئيسية كمضيق هرمز، مما أجبر السفن الإنسانية والتجارية على تغيير مساراتها عبر البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، مضافةً نحو 9 آلاف كيلومتر إلى بعض مسارات الشحن، وهو ما أبطأ وصول الإمدادات وضاعف كُلفتها.

الدول الهشة تدفع الفاتورة الأكبر

تتصدر الأسر في الدول التي تعاني أساسا من أزمات مركبة قائمة الضحايا:

  • أفغانستان: يواجه 17.4 مليون شخص انعداما حادا للأمن الغذائي، ويتوقع أن يحتاج 4.9 ملايين امرأة وطفل لعلاج سوء التغذية. والأخطر أن أسعار الوقود ضاعفت تكاليف نقل المساعدات إلى 5 أضعاف، وتأخرت مدة التسليم من 10 أيام إلى 75 يوما، وسط إغلاق الحدود مع باكستان.

  • الصومال: يتوقع أن يضرب الجوع الشديد 6.5 مليون شخص في 2026. وقد تسببت الأزمة في قفزة بأسعار الوقود بنسبة 150%، مما يهدد عمليات النقل الجوي الإنساني التي تُعد الشريان الوحيد للوصول إلى المناطق النائية.

  • سريلانكا: تواجه ضغوطا متزايدة وحادة نتيجة تراجع دخل الأسر، وتعطل حركة التجارة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية والوقود.

نقص الأموال يخنق وكالات الإغاثة

وتزامن هذه الصدمات الاقتصادية مع أزمة تمويل حادة تضرب المنظمات الإنسانية؛ إذ يحتاج برنامج الأغذية العالمي -على سبيل المثال- إلى 350 مليون دولار لتمويل عملياته في أفغانستان وحده حتى أكتوبر 2026، لكنه لا يستطيع حاليا سوى الوصول إلى مليوني شخص شهريا من أصل 4 ملايين كان يدعمهم سابقا.

هذا العجز المالي قد يحرم 9 ملايين شخص من المساعدات عالميا، ويقصي 1.5 مليون مستفيد من قوائم الدعم الحيوية. وما تشهده أسواق الغذاء العالمية اليوم ليس مجرد تذبذب عابر في الأسعار، بل هو إنذار مبكر بزلزال اقتصادي وإنساني مدمر.

فالأسر في الدول النامية، والتي تنفق ما بين 50% إلى 70% من دخلها على الطعام، أصبحت أولى ضحايا هذا الصراع الجيوسياسي بتخليها المجبر عن وجباتها الأساسية نتيجة تأخر الإمدادات وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتؤكد هذه الأزمة الملحة أن الأمن الغذائي العالمي كل لا يتجزأ، وأن استمرار الحرب في الشرق الأوسط واضطراب خطوط الطاقة لن يقف عند حدود الصراع العسكري، بل سيمتد ليدق أبواب الفقراء جوعاً في أبعد أركان الأرض.

مقالات مقترحة

عرض الكل