تواصل مصر تسريع خطواتها نحو التحول إلى الطاقة النظيفة، مدفوعة بخطط طموحة تستهدف إعادة تشكيل مزيج إنتاج الكهرباء خلال السنوات المقبلة، بما يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري ويعزز الاستفادة من الموارد الطبيعية المتاحة، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وتستهدف هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة رفع نسبة مساهمة الطاقة النظيفة في مزيج إنتاج الكهرباء إلى نحو 74.3% بحلول عام 2040، مقارنة بنحو 42.2% مستهدفة بحلول عام 2030، في إطار استراتيجية طويلة الأجل تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز أمن الطاقة.
ووفق بيانات الهيئة، فإن نسبة مساهمة الطاقة النظيفة المستهدفة بحلول عام 2030 تتوزع بين نحو 30% من مصادر الطاقة المتجددة و12% من الطاقة النووية، مع قدرات تتجاوز 8.8 جيجاوات من طاقتي الشمس والرياح، فيما تستهدف الدولة أن تتجاوز مساهمة مصادر الطاقة المتجددة وحدها نسبة 65% من إجمالي إنتاج الكهرباء بحلول عام 2040، مدعومة بقدرات تخزين متطورة.
وتعكس المؤشرات الحالية تقدماً ملحوظاً في هذا المسار، إذ ارتفع إجمالي القدرة الإنتاجية للطاقة المتجددة في مصر بنهاية عام 2025 إلى نحو 9.1 جيجاوات، مقابل 8.6 جيجاوات في العام السابق. وتوزعت هذه القدرات بين 2.8 جيجاوات من الطاقة الكهرومائية، و3.032 جيجاوات من طاقة الرياح، و3.281 جيجاوات من الطاقة الشمسية والكتلة الحيوية.
وتسعى الحكومة إلى رفع القدرات المركبة للطاقة المتجددة إلى نحو 25 جيجاوات بحلول عام 2030، متضمنة قدرات تخزين بالبطاريات تقدر بنحو 3.3 جيجاوات/ساعة، بما يضمن استقرار الشبكة الكهربائية وزيادة مرونتها في التعامل مع التوسع المستمر في مصادر الطاقة المتقطعة.
ويأتي هذا التوجه مدعوماً بمتابعة مباشرة من القيادة السياسية. ففي اجتماع عقده الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مايو الماضي مع رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ووزير الكهرباء والطاقة المتجددة الدكتور محمود عصمت، تمت مراجعة مستجدات مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة وخطط التوسع المستقبلية حتى عام 2040.
وخلال الاجتماع، استعرض وزير الكهرباء خطة الدولة لزيادة الاعتماد على الطاقات المتجددة وخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، مؤكداً أن الحكومة تستهدف رفع مساهمة الطاقة النظيفة إلى 45% من إجمالي مزيج الطاقة بحلول عام 2028، وهو هدف يمثل تسريعاً للمستهدفات السابقة التي كانت تقضي بالوصول إلى 42% بحلول عام 2030.
وشهد الاجتماع استعراض عدد من المشروعات الكبرى الجاري تنفيذها، من بينها المرحلة الثانية من مشروع الطاقة الشمسية “أوبيليسك” بمدينة نجع حمادي بقدرة 500 ميجاوات، ومشروع طاقة الرياح برأس شقير بقدرة 900 ميجاوات، بالإضافة إلى مشروع الطاقة الشمسية بمحافظة المنيا بقدرة 1700 ميجاوات، إلى جانب تنفيذ محطات لتخزين الطاقة في محافظات المنيا والإسكندرية وقنا بسعة تصل إلى 4000 ميجاوات.
ووجه الرئيس بالإسراع في تنفيذ هذه المشروعات وفق الجداول الزمنية المحددة، مع إزالة أي معوقات قد تؤثر على عمليات الربط بالشبكة القومية للكهرباء، مؤكداً أهمية تعظيم الاستفادة من الإمكانات الطبيعية التي تتمتع بها مصر في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وفي إطار التوسع الجاري، تستعد وزارة الكهرباء لإضافة 500 ميجاوات جديدة من الطاقة الشمسية إلى الشبكة القومية قبل ذروة صيف 2026 من خلال مشروع “أوبيليسك”، الذي تجاوزت نسبة تنفيذه 96%، بالتعاون مع شركة سكاتك النرويجية.
كما تعمل الوزارة بالتوازي على إدخال قدرات إضافية تتجاوز 1200 ميجاوات من مشروعات الطاقة الشمسية والرياح خلال صيف 2026، ضمن خطة تستهدف تعزيز استقرار الشبكة الكهربائية وخفض استهلاك الغاز الطبيعي والمازوت المستخدمين في محطات التوليد التقليدية.
ووفق تقديرات مسؤولي القطاع، فإن تشغيل 1200 ميجاوات من الطاقة الشمسية يمكن أن يوفر ما بين 60 و70 مليون قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي، بما يمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة موارد الوقود، خاصة خلال أشهر الصيف التي تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب على الكهرباء.
وتزامناً مع التوسع في المشروعات الجديدة، تعمل الحكومة على تعزيز التنسيق بين قطاعات الكهرباء والبترول والصناعة. وشهد اجتماع ضم وزراء الكهرباء والبترول والصناعة مناقشة آليات دعم استدامة إمدادات الطاقة للقطاع الصناعي، وتعظيم العائد من وحدة الطاقة، وتسريع تنفيذ مشروعات الطاقة المتجددة.
وأكد الاجتماع أهمية توطين صناعة المعدات والمهمات الكهربائية المرتبطة بمشروعات الطاقة الشمسية والرياح، وزيادة نسبة المكون المحلي في المشروعات الجديدة، بما يعزز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني ويدعم نقل التكنولوجيا الحديثة.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الكهرباء عن إنشاء شركة جديدة بالتعاون بين الشركة القابضة لكهرباء مصر والهيئة العربية للتصنيع، بهدف تصنيع الألواح الشمسية محلياً وخفض تكلفتها، بما يدعم خطط التوسع في استخدامها داخل السوق المصرية.
ولا يقتصر التحول نحو الطاقة النظيفة على المشروعات القومية الكبرى فقط، بل يمتد أيضاً إلى القطاع المنزلي والصناعي. فقد أكدت وزارة الكهرباء إعفاء المواطنين من معظم الاشتراطات الخاصة بتركيب الألواح الشمسية فوق أسطح المنازل والمنشآت، مع الاكتفاء بالتنسيق مع شركات التوزيع في حال الرغبة في الربط بالشبكة القومية من خلال نظام “صافي القياس”.
ويتيح هذا النظام للمواطنين إنتاج الكهرباء واستهلاكها ذاتياً، مع إمكانية ضخ الفائض إلى الشبكة القومية وتسوية الاستهلاك من خلال عدادات ثنائية الاتجاه، بما يسمح بالحصول على مقابل للكهرباء المصدرة في بعض الحالات.
وقال منصور عبد الغني، المتحدث باسم وزارة الكهرباء، إن الدولة تشجع المواطنين على الاستثمار في الطاقة الشمسية من خلال توفير الأطر التنظيمية اللازمة، مشيراً إلى أن هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة قامت بتأهيل نحو 100 شركة متخصصة لتصميم وتركيب وتشغيل وصيانة محطات الطاقة الشمسية.
وأضاف أن هناك نظامين أساسيين للاستفادة من الطاقة الشمسية، الأول يعتمد على الاستهلاك الذاتي دون ربط بالشبكة، والثاني يعتمد على نظام صافي القياس الذي يسمح بتبادل الطاقة مع الشبكة القومية.
وفي الاتجاه نفسه، أكد أحمد مهينة، رئيس قطاع التخطيط الاستراتيجي ومتابعة الأداء الكهربائي بوزارة الكهرباء، أن أسعار الألواح الشمسية شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، ما يعزز الجدوى الاقتصادية للتوسع في استخدامها بالمنازل.
وأشار إلى أن مبادرة “شمس مصر” تستهدف دعم وتمويل مشروعات الطاقة الشمسية، داعياً إلى توسيع نطاق المبادرات الداعمة بالتعاون مع وزارة المالية ومنظمات المجتمع المدني، مؤكداً أن تعريفة شراء الكهرباء المنتجة من المحطات الشمسية المنزلية تعد مشجعة للمواطنين.
وعلى صعيد طاقة الرياح، يواصل القطاع تحقيق معدلات نمو متسارعة. فقد أظهر تقرير دولي حديث أن القدرة التراكمية لطاقة الرياح في مصر تجاوزت ثلاثة جيجاوات، مع استئناف طرح المناقصات التنافسية بعد سنوات من التوقف.
وشهد النصف الثاني من عام 2025 دخول قدرات جديدة من طاقة الرياح بإجمالي 1.15 جيجاوات إلى الخدمة، فيما تمتلك مصر حالياً نحو 1.3 جيجاوات قيد الإنشاء، بالإضافة إلى مشروعات قيد التطوير تقترب قدراتها من 10 جيجاوات.
كما أعلنت الحكومة طرح مناقصة تنافسية لمشروعات طاقة الرياح البرية بقدرة واحد جيجاوات في منطقة غرب سوهاج، في خطوة تعكس استمرار التوسع في استغلال الموارد الطبيعية المتاحة وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ المشروعات.
وتضم قائمة المشروعات الكبرى العاملة في مصر محطة بنبان للطاقة الشمسية في أسوان بقدرة 1465 ميجاوات، ومحطة الكريمات الشمسية الحرارية بقدرة 140 ميجاوات، ومجمع جبل الزيت لطاقة الرياح بقدرة 580 ميجاوات، إلى جانب مشروع محطة الضبعة النووية المتوقع أن تبلغ قدرتها 4800 ميجاوات.
وفيما تؤكد الحكومة قدرتها على تحقيق مستهدفات التحول الطاقي، يرى خبراء القطاع أن الوصول إلى نسبة 42% من الطاقة النظيفة بحلول عام 2030 يعد هدفاً قابلاً للتحقيق، خاصة مع استمرار دخول المشروعات الجديدة إلى الخدمة، وتوسع مشروعات التخزين وتدعيم الشبكة الكهربائية.
وفي هذا الإطار، أكد الدكتور حافظ سلماوي، رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء الأسبق، أن نسبة 42% بحلول 2030 تبدو واقعية في ضوء المشروعات الجاري تنفيذها، مشيراً إلى أهمية مشروعات التخزين مثل مشروع عتاقة للضخ والتخزين في دعم استقرار الشبكة وتعظيم الاستفادة من الطاقة المتجددة.







