تتسارع الخطوات المصرية الرامية إلى توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة الخارجية والتعاملات المالية مع عدد من الشركاء الدوليين، في توجه يعكس مساعي الدولة لتنويع أدواتها النقدية وتعزيز مرونة الاقتصاد الوطني في مواجهة التقلبات العالمية.
وجاءت أحدث هذه الخطوات مع إعلان تمديد اتفاق مبادلة العملات بين مصر والصين لمدة ثلاث سنوات إضافية، مع رفع قيمته إلى 30 مليار يوان صيني، بما يعادل نحو 4.43 مليار دولار أو 203 مليارات جنيه مصري، مقارنة بـ18 مليار يوان في الاتفاق السابق، بزيادة تقارب 67%.
وتسمح اتفاقيات مبادلة العملات للبنوك المركزية بالحصول على عملة الدولة الأخرى بصورة مباشرة دون الحاجة إلى المرور بأسواق الصرف الأجنبي، الأمر الذي يساهم في خفض تكاليف المعاملات وتقليل المخاطر المرتبطة بتقلبات أسعار الصرف، فضلاً عن تسهيل التجارة والاستثمار بين الدول المشاركة في هذه الاتفاقات.
ويأتي تمديد الاتفاق المصري الصيني في وقت يشهد فيه اليوان الصيني توسعاً متزايداً في استخدامه على الساحة الدولية. وأظهرت بيانات بنك الشعب الصيني ارتفاع استخدام البنوك المركزية حول العالم لخطوط مبادلة العملات التابعة له إلى أعلى مستوى خلال عامين بنهاية الربع الأول من العام الجاري، في مؤشر على تنامي الطلب العالمي على العملة الصينية في التسويات التجارية والمالية.
ويمثل الاتفاق الجديد حلقة إضافية في مسار التعاون المالي المتنامي بين القاهرة وبكين، بعد سلسلة من الإجراءات التي استهدفت تعزيز الروابط الاقتصادية بين البلدين، من بينها السماح للشركات الصينية باستخدام اليوان الصيني في بعض تعاملاتها داخل السوق المصرية وفتح حسابات مصرفية بالعملة الصينية، فضلاً عن توقيع مذكرات تفاهم للتعاون في مجالات المدفوعات والعملات الرقمية.
وفي هذا السياق، أكد محمد عبد العال، الخبير المصرفي، أن تجديد اتفاقية تبادل العملات بين مصر والصين يمثل تطوراً استراتيجياً مهماً يعكس عمق العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بين البلدين، مشيراً إلى أن قيمة الاتفاق ارتفعت من 18 مليار يوان عند توقيعه في عام 2016 إلى 30 مليار يوان حالياً.
وأوضح عبد العال أن حجم التجارة الخارجية بين مصر والصين يبلغ نحو 21 مليار دولار، فيما تستحوذ الصين على ما يقرب من 15% من إجمالي الواردات المصرية، وهو ما يبرز أهمية توفير آليات مالية أكثر مرونة لتسهيل حركة التجارة بين الجانبين.
وأضاف أن الاتفاقية توفر مزايا مباشرة للمستوردين المصريين، من بينها الحد من مخاطر تقلبات أسعار الصرف المرتبطة بالدولار، وخفض تكاليف التحوط وفروق الفائدة، إلى جانب تسريع عمليات التسوية التجارية من خلال التعامل المباشر بين اليوان الصيني والجنيه المصري عبر البنوك التجارية.
وأشار إلى أن الاعتماد على العملات الوطنية في التسويات التجارية أصبح هدفاً استراتيجياً تسعى إليه مصر بهدف تخفيف الضغط على السيولة الدولارية وتقليل الاعتماد على الدولار في جزء من تجارتها الخارجية.
وفي الإطار ذاته، أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن البنك المركزي المصري يعمل حالياً على توسيع اتفاقيات التعاون النقدي وتبادل التعامل بالعملات مع عدد من الدول، مشيراً إلى استمرار المفاوضات لزيادة حجم هذه الاتفاقيات خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح مدبولي أن التعاون مع الجانب الصيني تم تجديده بالفعل، مع وجود مباحثات تستهدف زيادة حجم التعاملات ضمن هذه الآلية بما يخدم الاقتصاد المصري ويعزز قدرته على تنويع مصادر التمويل والسيولة.
وربط رئيس الوزراء بين نجاح هذه الاتفاقات ومستوى الثقة الدولية في الاقتصاد المصري، مؤكداً أن مرونة سعر الصرف واستقرار السياسة النقدية ساهما في تعزيز صورة الاقتصاد المصري لدى المؤسسات الدولية والأسواق العالمية، الأمر الذي انعكس على استعداد عدد من الدول للتعاون مع مصر في هذا النوع من الترتيبات المالية.
وأضاف أن موارد النقد الأجنبي ما زالت قادرة على تغطية احتياجات الدولة المختلفة، مشيراً إلى أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج سجلت مستويات مرتفعة خلال الفترة الأخيرة، فيما يعكس استقرار عوائد السندات المصرية استمرار ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية في الاقتصاد المصري رغم التحديات الإقليمية والدولية الراهنة.
وبالتوازي مع التوسع في التعاون مع الصين، تبرز الهند باعتبارها أحد الشركاء الذين تستهدف مصر تعزيز التعامل معهم باستخدام العملات المحلية خلال الفترة المقبلة.
وفي هذا الإطار، أكد النائب الدكتور محمد عطية الفيومي، رئيس غرفة القليوبية التجارية وأمين صندوق الاتحاد العام للغرف التجارية، أن اقتراب التنفيذ الفعلي لاتفاق التبادل التجاري بين القاهرة ونيودلهي باستخدام الجنيه المصري والروبية الهندية يمثل تحولاً مهماً في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
وأوضح الفيومي أن الخطوة لا تقتصر على تغيير آلية السداد، بل تعكس رؤية استراتيجية تهدف إلى تخفيف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي وتقليل الاعتماد على الدولار، بما يدعم استقلالية القرار الاقتصادي ويوفر فرصاً جديدة للتعاون التجاري والاستثماري.
وأشار إلى أن حجم التبادل التجاري الحالي بين مصر والهند يبلغ نحو 6 مليارات دولار، بينما يستهدف الجانبان رفعه إلى 12 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، مستفيدين من الإمكانات الكبيرة التي يتمتع بها الاقتصاد الهندي الذي يعد من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم.
من جانبهم، اعتبر عدد من الخبراء الاقتصاديين أن تمديد اتفاقية تبادل العملات مع الصين يعكس انتقال العلاقات بين البلدين إلى مرحلة أكثر عمقاً تتجاوز التعاون التجاري التقليدي.
وقال الخبير الاقتصادي أبو بكر الديب إن الاتفاقية تمثل خطوة استراتيجية تعكس تحولاً تدريجياً في طبيعة العلاقات الاقتصادية المصرية الصينية نحو شراكة مالية ونقدية أكثر شمولاً، مؤكداً أن الزيادة الكبيرة في قيمة الاتفاق تعبر عن إدراك الجانبين لأهمية بناء قنوات مالية أكثر مرونة في ظل التغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
وأضاف أن الاتفاقية تسهم في تنويع مصادر السيولة الأجنبية للاقتصاد المصري، وتوفر للبنك المركزي مساحة أوسع لإدارة الموارد النقدية، كما تساهم في تقليل الطلب على الدولار في جزء من المعاملات التجارية المرتبطة بالصين.
وأشار الديب إلى أن الاتفاق يحمل كذلك أبعاداً استراتيجية مرتبطة بتعزيز موقع مصر داخل المبادرات الاقتصادية الصينية الكبرى، وفي مقدمتها مبادرة “الحزام والطريق”، فضلاً عن دعم قدرة الشركات المصرية والصينية على تنفيذ عملياتها التجارية والاستثمارية بكفاءة أعلى وتكلفة أقل.
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي محمد أبو عاصي أن تبادل العملات المحلية بين مصر والصين يمثل أحد أعلى مستويات التعاون الاقتصادي بين الدول، مشيراً إلى أن الخطوة تدعم التوسع الاستثماري الصيني داخل السوق المصرية وتساهم في زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين.
كما لفت إلى أن الاتفاقية تأتي في وقت بدأت فيه الصين تطبيق سياسة الإعفاء الجمركي الكامل على وارداتها من الدول الإفريقية التي ترتبط معها بعلاقات دبلوماسية، بما في ذلك مصر، وهو ما يفتح آفاقاً إضافية أمام الصادرات المصرية إلى السوق الصينية.







