مفاوضات سويسرا.. تقدم دبلوماسي وخلافات معلقة بين إيران وأمريكا

مفاوضات سويسرا.. تقدم دبلوماسي وخلافات معلقة بين إيران وأمريكا
مشاركة المقال:
حجم الخط:

رغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية الجارية في سويسرا، برزت مؤشرات واضحة على استمرار خلافات جوهرية بين الجانبين بشأن عدد من الملفات الحساسة، وفي مقدمتها آلية الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ومستقبل البرنامج النووي، وحدود استخدام الأموال التي قد يُرفع التجميد عنها.

وفي المقابل، أظهرت الجولة الأولى من المحادثات تقدماً في بعض المسارات الإجرائية والأمنية، ما سمح بإطلاق مفاوضات فنية تستمر حتى نهاية الأسبوع ضمن إطار مذكرة التفاهم التي تم توقيعها الأربعاء الماضي.

تقدم إجرائي وخارطة طريق للمفاوضات

واختتمت، اليوم الإثنين، في منتجع “بورغنشتوك” السويسري الجولة الأولى من المحادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران، بمشاركة قطر وباكستان كوسيطين، وسط ما وصفه البيان المشترك للوسطاء بأجواء “إيجابية وبنّاءة” أسفرت عن تقدم مشجع وإنشاء آلية لمواصلة المحادثات الفنية.

ووفق البيان، اتفقت الأطراف على تشكيل لجنة رفيعة المستوى للإشراف السياسي على جهود الوساطة، إلى جانب إنشاء مجموعات عمل متخصصة للملف النووي والعقوبات وتسوية الخلافات، كما تم اعتماد خارطة طريق تستهدف التوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يوماً.

وفي خطوة تعكس وجود أرضية مشتركة بين الطرفين، أعلن الوسطاء أيضاً إنشاء قناة اتصال لتجنب الحوادث وسوء الفهم وضمان العبور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز، فضلاً عن تشكيل مجموعة عمل لمنع التصعيد في لبنان ومتابعة الالتزام بوقف العمليات العسكرية هناك.

انطلاق المفاوضات الفنية

وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية “إسماعيل بقائي”، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا“، بدء المفاوضات الفنية المنبثقة عن مذكرة تفاهم إسلام آباد في سويسرا، اليوم.

وأوضح “بقائي” أن نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية “كاظم غريب آبادي” يترأس الوفد الإيراني في هذه الجولة، مشيراً إلى أن فرق العمل الفنية ستركز على القضايا النووية والعقوبات وآليات الرقابة وتسوية الخلافات.

كما ذكرت وكالة “فارس” الإيرانية أن الوفد الإيراني أنهى جولة مفاوضات مكثفة استمرت نحو 18 ساعة أمس الأحد، وشملت جلسات ثنائية ومتعددة الأطراف مع الوسطاء القطريين والباكستانيين، إضافة إلى اجتماع رباعي مع الوفد الأمريكي استمر نحو 80 دقيقة، ركز خلاله الجانب الإيراني على ضرورة تنفيذ الالتزامات الأمريكية الواردة في مذكرة التفاهم.

الأموال المجمدة.. أول اختبار للاتفاق

ورغم هذا التقدم التنظيمي، تشير المعطيات إلى أن ملف الأموال الإيرانية المجمدة قد يتحول سريعاً إلى أبرز نقطة خلاف بين الجانبين، نظراً لارتباطه بقضايا السيادة والعقوبات وآليات التنفيذ.

وفي هذا الإطار، نقلت شبكة “فوكس نيوز” عن “أليكس فاتانكا”، الباحث في معهد الشرق الأوسط، قوله إن “هناك فعلياً روايتين متنافستين بشأن الأموال المجمدة”، معتبراً أن القضية تتجاوز الجانب الاقتصادي لتتحول إلى اختبار سياسي مباشر لمستوى الثقة بين طهران وواشنطن.

ويرى مراقبون أن الخلاف لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي قد تحصل عليها إيران، بل بطبيعة الرقابة المفروضة عليها والجهة التي تمتلك القرار النهائي بشأن أوجه إنفاقها، وهي مسألة ترتبط مباشرة بتفسير كل طرف لبنود التفاهم المبرم بينهما.

وأوضح “فاتانكا” أن المسؤولين الإيرانيين يتحدثون عن حقهم في التصرف بالأموال باعتبارها أصولاً سيادية، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى الإبقاء على أدوات الضغط من خلال ربط استخدام هذه الأموال بشروط وآليات رقابية محددة.

وأضاف أن المفاوضات الحالية تبدو مركزة على تأمين وصول إيران إلى ما بين 24 و25 مليار دولار كمرحلة أولى، رغم استمرار الغموض بشأن الحجم الإجمالي للأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.

اختلاف حول أوجه الإنفاق

وتتجاوز الخلافات مسألة الإفراج عن الأموال إلى كيفية استخدامها بعد رفع التجميد عنها.

فبحسب “فاتانكا”، تطرح طهران هذه الأموال باعتبارها مورداً لإعادة بناء البنية التحتية وتمويل مشاريع داخلية تشمل الطرق والمطارات وممرات النقل، بما ينعكس على الوضع الاقتصادي للمواطنين الإيرانيين.

في المقابل، تشير التصورات الأمريكية إلى آلية أكثر تقييداً، تقوم على الإفراج عن الأموال عبر قنوات خاضعة للرقابة وتخصيصها بصورة رئيسية للمشتريات الإنسانية والمدنية المعتمدة، دون منح إيران حرية كاملة في التصرف بها.

كما أشار “فاتانكا”، إلى وجود بعد إقليمي للخلاف، موضحاً أن واشنطن تشدد على منع استخدام أي أموال مفرج عنها في دعم جماعات أو أطراف حليفة لإيران في المنطقة، مع التحذير من إمكانية سحب حق الوصول إلى هذه الأموال في حال انتهاك شروط الاتفاق.

قراءات مختلفة في الملف النووي

وفي الملف النووي، ظهرت أيضاً قراءتان مختلفتان لمسار التفاوض.

فقد أعلن نائب الرئيس الأمريكي “جيه دي فانس”، وفق ما نقلته شبكة “سي بي إس نيوز“، أن إيران وافقت على السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالعودة إلى البلاد، معتبراً ذلك “محطة رئيسية” وخطوة أولى نحو إنهاء البرنامج النووي العسكري الإيراني بصورة دائمة.

وقال “فانس” إن واشنطن أحرزت “تقدماً كبيراً” في المحادثات، متوقعاً استئناف عمليات التفتيش الدولية خلال الأيام القليلة المقبلة.

وأضاف أن 4 أهداف تحققت حتى الآن، تشمل السماح بعودة المفتشين النوويين، وإنشاء آلية لضمان الملاحة في مضيق هرمز، وإنشاء آلية لمنع التصعيد في لبنان، وتعزيز مسار المفاوضات المستقبلية.

في المقابل، بدا الموقف الإيراني أكثر تحفظاً تجاه هذا الملف، إذ كان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية “إسماعيل بقائي” قد أكد في تصريحات سابقة أن النقاش حول البرنامج النووي خلال لقاءات، أمس الأحد، كان محدوداً للغاية، مشيراً إلى أنه “لا يمكن القول إن المفاوضات بشأن القضية النووية قد بدأت”.

اتفاقات قائمة وخلافات مؤجلة

وتعكس المعطيات الصادرة عن اليومين الأولين من المحادثات وجود توافق نسبي حول آليات إدارة المرحلة الانتقالية والحفاظ على قنوات التواصل ومنع التصعيد الإقليمي، إلا أن القضايا الجوهرية المرتبطة بالأموال المجمدة والبرنامج النووي والعقوبات لا تزال موضع خلاف في فهم بنودها بين الطرفين.

وبينما يركز الوسطاء القطريون والباكستانيون على دفع المفاوضات نحو اتفاق نهائي خلال المهلة المحددة بـ 60 يوماً، تبدو المرحلة الفنية الحالية اختباراً حقيقياً لقدرة واشنطن وطهران على تحويل التفاهمات السياسية الأولية إلى ترتيبات تنفيذية قابلة للاستمرار.

اقرأ أيضا: مفاوضات سويسرا تختبر تفاهم واشنطن وطهران

مقالات مقترحة

عرض الكل