لسنوات طويلة، ظل التمويل البنكي هو الباب الرئيسي الذي تلجأ إليه الشركات الصغيرة والمتوسطة بحثًا عن السيولة اللازمة للنمو والتوسع، ومع كل خطوة نحو زيادة الإنتاج أو فتح أسواق جديدة، كانت القروض تمثل الخيار الأكثر حضورًا، بما تحمله من التزامات وأعباء مالية قد لا تتناسب دائمًا مع طبيعة الشركات الناشئة والواعدة، لكن المشهد يبدو اليوم أمام تحول جديد، مع توجه الدولة لفتح أبواب سوق المال أمام هذا القطاع الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد المصري.
وفي هذا الإطار، جاء توقيع بروتوكول التعاون بين البورصة المصرية وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر ليعكس تغيرًا في فلسفة التمويل ذاتها؛ فبدلًا من الاكتفاء بتوفير القروض، تتجه الدولة إلى تمكين الشركات من الوصول إلى المستثمرين ورؤوس الأموال عبر سوق المال، بما يمنحها فرصًا أكبر للنمو دون تحميلها أعباء اقتراض إضافية.
ولا يقتصر الأمر على توفير مصادر تمويل جديدة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل خريطة الشركات القادرة على المنافسة والتوسع، فالشركات التي تتمكن من استيفاء متطلبات القيد في البورصة تكتسب في الوقت نفسه مستويات أعلى من الحوكمة والشفافية والإفصاح، وهي عوامل أصبحت شرطًا أساسيًا للنفاذ إلى الأسواق العالمية وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وهذا التوجه يأتي متسقًا مع رؤية الدولة الرامية إلى تعزيز دور القطاع الخاص وزيادة مساهمة الصادرات في الاقتصاد الوطني، وفي هذا السياق أكد الدكتور محمد فريد، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، أن الوزارة تعمل على بناء منظومة متكاملة لدعم الشركات المصرية ورفع قدرتها على المنافسة والنفاذ إلى الأسواق الخارجية، من خلال برامج تستهدف تأهيل الشركات للتعامل مع متطلبات التجارة الدولية وتوفير المعلومات والبيانات اللازمة للتوسع في الأسواق المستهدفة.
وشدد على أهمية ترسيخ ثقافة التصدير باعتبارها أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي وزيادة موارد النقد الأجنبي، مؤكدًا أن البورصة المصرية تمثل إحدى الآليات المهمة لتوفير التمويل اللازم لخطط التوسع والنمو.
وتكشف هذه التصريحات عن معادلة جديدة تسعى الدولة إلى ترسيخها؛ فالشركة التي تستطيع التصدير تحتاج إلى تمويل، والشركة التي تمتلك تمويلًا مستدامًا تصبح أكثر قدرة على زيادة الإنتاج والتوسع الخارجي.
ومن هنا تبرز أهمية الربط بين سوق المال وبرامج دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، باعتباره أحد المسارات القادرة على تحويل الشركات المحلية من كيانات محدودة النشاط إلى مؤسسات قادرة على المنافسة الإقليمية والدولية.
وفي خطوة غير مسبوقة، أعلن باسل رحمي، الرئيس التنفيذي لجهاز تنمية المشروعات، أن الجهاز أصبح لأول مرة في تاريخه راعيًا ووكيل قيد معتمدًا للشركات المتوسطة والصغيرة الراغبة في الانضمام إلى البورصة المصرية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تنقل الجهاز من دور الداعم والممول إلى دور الشريك في إعداد الشركات وتأهيلها للوصول إلى سوق المال، بما يختصر الكثير من العقبات التي كانت تواجه الشركات الراغبة في القيد.
ويؤكد ذلك أن الدولة لم تعد تنظر إلى المشروعات الصغيرة باعتبارها مجرد وسيلة لتوفير فرص العمل، بل باعتبارها خزّانًا حقيقيًا للشركات القادرة على النمو والتصدير وجذب الاستثمارات.
فالتجارب الاقتصادية الناجحة حول العالم بدأت من شركات صغيرة تحولت بمرور الوقت إلى كيانات كبرى بعدما وجدت التمويل المناسب والبيئة الداعمة للنمو.
وفي ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض عالميًا وتزايد الحاجة إلى مصادر تمويل أكثر استدامة، تبدو البورصة المصرية أمام فرصة للعب دور مختلف في السنوات المقبلة، فالمعركة لم تعد مجرد توفير تمويل للشركات، بل بناء جيل جديد من الكيانات الاقتصادية القادرة على التوسع والإنتاج والتصدير.




