لم تكن شرارة النزاع في إيران مجرد حدث جيوسياسي عابر، بل كانت الصدمة التي كشفت للعالم مدى هشاشة قيود الطاقة التقليدية وسلاسل إمداد الوقود الأحفوري.
واليوم، وبينما تهتز أسواق النفط والغاز تحت وطأة اضطرابات الشحن في الممرات الحيوية، تيمم عشرات الدول في آسيا وإفريقيا وجوهها شطر “الطاقة النووية”. ليس بوصفها ترفا تقنيا، بل كخيار استراتيجي لا بديل عنه لضمان أمن الطاقة القومي والتحرر من تقلبات الأسواق العالمية.
آسيا في عين العاصفة
تعد القارة الآسيوية المتضرر الأكبر من تعطل إمدادات الشرق الأوسط، وهو ما دفع عواصمها إلى مراجعة سياساتها الطاقية بشكل جذري.
ففي كوريا الجنوبية، تسابق الحكومة الزمن لرفع وتيرة الإنتاج النووي وإعادة تشغيل المفاعلات المتوقفة بحلول مايو المقبل.
أما في تايوان واليابان، فقد تراجعت حدة التحفظات التي تلت كارثة فوكوشيما؛ حيث وقعت طوكيو صفقات مليارية مع واشنطن وباريس لتطوير تكنولوجيا المفاعلات وإعادة تدوير الوقود. مؤكدة أن ارتفاع تكاليف الكهرباء دفع الرأي العام للانحياز مجددا لخيار الذرة.
وفي جنوب القارة، تبرز بنغلاديش كنموذج للتحول السريع عبر تعاونها مع “روساتوم” الروسية لربط مفاعلات جديدة بالشبكة الوطنية هذا الصيف. بينما تدرس الفلبين وفيتنام إحياء مشاريعهما النووية المعطلة لمواجهة حالة الطوارئ الوطنية في قطاع الطاقة.
إفريقيا.. المفاعلات الصغيرة ضرورة سيادية
على الجانب الآخر من المحيط، لم تعد الطاقة النووية حلما بعيدا في القارة السمراء، بل تحولت إلى ضرورة استراتيجية لمواجهة نقص الكهرباء الحاد.
وتتصدر كينيا ورواندا وجنوب إفريقيا هذا التوجه عبر تبني تكنولوجيا “المفاعلات الصغيرة المعيارية” (SMR)؛ وهي وحدات مدمجة وأقل تكلفة توفر حلولا عملية للدول ذات الشبكات الكهربائية الناشئة.
وتسعى جنوب إفريقيا، الرائدة نوويا في القارة، إلى رفع حصة الطاقة الذرية في مزيجها الوطني إلى 16% بحلول عام 2040، في خطوة تهدف إلى وضع البلاد في طليعة التقنيات المتقدمة عالميا.
الاستدامة ومخاطر النزاع
رغم هذه “النهضة النووية” المتسارعة، لا يزال الطريق محفوفا بالتحديات؛ فبناء المحطات النووية يتطلب عقودا من الزمن واستثمارات ضخمة. فضلا عن المخاوف القائمة بشأن إدارة النفايات المشعة وضمان سلامة المفاعلات أثناء النزاعات المسلحة.
ويرى خبراء أن الاعتماد على اليورانيوم المستورد قد يبقي الدول رهينة تبعية جديدة، مما يستوجب توازنا دقيقا بين التوسع النووي وتطوير مصادر الطاقة المتجددة لضمان أمن طاقي مستدام ومستقل.
إعادة رسم خريطة القوة
إن الصدمة الناجمة عن حرب إيران لم تكن مجرد أزمة عابرة، بل كانت المحفز الأقوى لولادة نظام طاقي جديد يعيد الاعتبار للطاقة النووية كركيزة للاستقرار.
ومع اتخاذ دول آسيا وإفريقيا قراراتها المصيرية بالاستثمار في الذرة، يبدو أن خريطة القوة العالمية تعيد رسم ملامحها، حيث يصبح أمن الطاقة هو العملة الأصعب في عالم لا يقبل بغير الاستقلال السيادي بديلا.


