شهدت الحرب الروسية الأوكرانية خلال الساعات الماضية جولة جديدة من التصعيد المتبادل، مع الانتقال المستمر لهجمات كييف إلى عمق الأراضي الروسية واستمرار الضربات الروسية واسعة النطاق على المدن والبنية التحتية الأوكرانية، في وقت يواصل فيه الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” حشد الدعم الغربي لتعزيز قدرات بلاده الدفاعية وتشديد العقوبات على موسكو.
وتعكس التطورات الأخيرة اتساع نطاق المواجهة بين الطرفين، إذ باتت منشآت الطاقة والصناعات العسكرية والموانئ والبنية اللوجستية أهدافاً رئيسية للعمليات العسكرية، بالتوازي مع تصاعد الجهود السياسية والاقتصادية الرامية إلى التأثير على مسار الحرب المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات.
كييف تستمر بنقل الهجمات إلى العمق الروسي
وأعلن الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي”، اليوم الثلاثاء، عبر حسابه على منصة “إكس“، أن القوات الأوكرانية واصلت تنفيذ ضربات بعيدة المدى ضد منشآت روسية قال إنها تساهم في دعم المجهود الحربي لموسكو.
وأوضح أن القوات الأوكرانية استهدفت مصفاة نفط في جمهورية “باشكورتوستان” الروسية الواقعة على بعد نحو 1300 كيلومتر من خط الجبهة، مشيداً بدور قوات العمليات الخاصة وجهاز الأمن الأوكراني في تنفيذ العملية.
كما أشار إلى استهداف مصفاة “أفيبسكي” النفطية في إقليم “كراسنودار” بواسطة الطائرات المسيّرة والاستخبارات الدفاعية الأوكرانية وجهاز الأمن الأوكراني.
وأضاف “زيلينسكي” أن عمليات أخرى طالت سفينة دورية وناقلة نفط مرتبطة بما يعرف بـ”أسطول الظل” الروسي في منطقة “غيليندجيك”، إلى جانب 3 ناقلات نفط أخرى في بحر “آزوف”، معتبراً أن الضربات بعيدة ومتوسطة المدى تواصل تقويض القدرات التي تعتمد عليها روسيا في مواصلة الحرب.
موسكو تقلل من أضرار الهجمات الأوكرانية
وفي أول رد رسمي على استهداف منشأة “باشكورتوستان”، نقلت وكالة “رويترز” عن حاكم الجمهورية “رادي خابيروف” قوله إن طائرات مسيرة أوكرانية هاجمت مجمع “سالافات” الكبير للبتروكيماويات في منطقة “الأورال”.
وأكد “خابيروف” أن المنشآت الرئيسية للمجمع لم تتعرض لأضرار مباشرة، موضحاً أن الأضرار تركزت في هياكل تحمل خطوط الإمداد والكابلات الكهربائية.
اتهامات روسية بتكثيف استهداف الأراضي الروسية
ويشير اتساع الهجمات الأوكرانية داخل روسيا إلى محاولة كييف زيادة الضغوط على موسكو من خلال استهداف منشآت الطاقة والبنية اللوجستية، بينما تسعى روسيا إلى إبراز تداعيات تلك الهجمات على المدنيين داخل أراضيها.
وفي هذا السياق، قال السفير المتجول بوزارة الخارجية الروسية “روديون ميروشنيك”، في تصريحات أوردتها وكالة “تاس” الروسية، إن القوات الأوكرانية نفذت خلال الأسبوع الماضي ما يصل إلى 850 ضربة يومياً ضد الأراضي الروسية.
وأضاف أن عدد المدنيين المتضررين خلال الفترة نفسها تجاوز 310 أشخاص، متهماً القوات الأوكرانية بتكثيف الهجمات على أهداف مدنية داخل روسيا.
هجوم روسي واسع على أوكرانيا
وفي المقابل، أعلن “زيلينسكي” عبر منصة “إكس” أن روسيا شنت خلال الليلة الماضية هجوماً واسعاً باستخدام 135 طائرة مسيرة وعشرة صواريخ من أنواع مختلفة، معظمها صواريخ باليستية.
وقال إن 7 أشخاص أصيبوا في منطقة “خاركيف”، بينهم طفل، فيما تعرضت مبانٍ سكنية ومحطة وقود ومنشآت للسكك الحديدية لأضرار.
كما أشار إلى إصابة 3 أشخاص في منطقة “تشيرنيهيف” وتضرر منشآت لشبكة الكهرباء، ما تسبب في انقطاع التيار عن آلاف الأسر.
وأضاف أن العاصمة كييف تعرضت لهجوم بصواريخ باليستية ألحق أضراراً بـ16 موقعاً، بينها مدرسة ومنشأة تجارية، فضلاً عن استهداف بنى تحتية حيوية في مناطق “دنيبرو، ودونيتسك، وجيتومير، وأوديسا”.
موسكو: ضربات ضد الصناعات العسكرية والموانئ
ومن جانبها، قالت وزارة الدفاع الروسية في بيانات نشرتها عبر تطبيق “تيليجرام” إن القوات الروسية نفذت خلال الليلة الماضية ضربات جماعية باستخدام أسلحة عالية الدقة بعيدة المدى وطائرات مسيرة.
وبحسب الوزارة، استهدفت الضربات منشآت للصناعة العسكرية الأوكرانية في كييف تشارك في إنتاج الصواريخ المجنحة والطائرات المسيرة، إضافة إلى منشآت للبنية التحتية للموانئ في مقاطعة “أوديسا” تستخدم لتخزين الوقود ومواد التشحيم الخاصة بالقوات المسلحة الأوكرانية.
وأضافت الوزارة أن الضربات شملت أيضاً مرافق صناعية ولوجستية ومواقع لتجميع الطائرات المسيرة بعيدة المدى، فضلاً عن منشآت للطاقة والوقود والنقل ونقاط انتشار للقوات الأوكرانية في مناطق متعددة.
كما أعلنت موسكو استهداف سفن شحن ومنشآت لوجستية داخل ميناء “يوجني” وموانئ أخرى في منطقة “أوديسا”، مؤكدة مواصلة العمليات ضد المرافق التي تقول إنها تخدم الاحتياجات العسكرية الأوكرانية.
برنامج “فريا” لتعزيز الدفاعات الجوية
وتأتي هذه التطورات العسكرية بعد يوم واحد من إعلان “زيلينسكي“، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرؤساء المشاركين لـ”تحالف الراغبين”، إطلاق برنامج جديد مضاد للصواريخ الباليستية يحمل اسم “فريا”
وقال الرئيس الأوكراني إن بلاده تواجه أحياناً نقصاً في الصواريخ الاعتراضية اللازمة للتصدي للهجمات الباليستية الروسية، موضحاً أن البرنامج الجديد يهدف إلى إنشاء منظومة متكاملة للإنتاج والتطوير والتزويد بالصواريخ وأنظمة الدفاع اللازمة.
وأضاف أن الاجتماع التأسيسي الأول لتحالف مواجهة الصواريخ الباليستية عُقد بالفعل، بمشاركة شركات دفاع أوروبية متخصصة في الصناعات الدفاعية وأنظمة الحماية الجوية.
دعم أوروبي وضغوط متزايدة على موسكو
وخلال المؤتمر نفسه، أشاد “زيلينسكي” باستعداد فرنسا لتقديم أنظمة دفاع جوي إضافية ومنح تراخيص لصواريخ “أستر” و”سكالب”، كما شكر ألمانيا والمملكة المتحدة على مواصلة تقديم حزم دعم دفاعية جديدة لأوكرانيا.
وأكد أن توسيع “تحالف الراغبين” بانضمام مولدوفا ومقدونيا الشمالية يعكس تنامي الدعم الأوروبي لكييف، معتبراً أن زيادة الضغط على روسيا تمثل أحد العوامل الرئيسية لدفع مسار الحرب نحو التسوية.
كالاس: أكبر جولة عقوبات منذ 2022
وفي موازاة التطورات العسكرية، دعا “زيلينسكي” الاتحاد الأوروبي إلى اعتماد الحزمة الـ21 من العقوبات ضد روسيا دون تأخير، مؤكداً أن أي تأجيل يمنح موسكو مزيداً من الوقت للتكيف مع الإجراءات الغربية.
وتتوافق هذه الدعوات مع ما أعلنته مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي “كايا كالاس” أمس عبر منصة “إكس”، إذ أكدت أن الإجراءات الجديدة إلى جانب الحزمة المرتقبة ستضيف نحو 250 فرداً وكياناً روسيًا إلى قوائم العقوبات الأوروبية.
وقالت “كالاس” إن هذه الخطوة تمثل أكبر جولة من الإدراجات الفردية منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، كما تتضمن أكبر حزمة عقوبات إلكترونية يفرضها الاتحاد الأوروبي حتى الآن، معتبرة أن استهداف الموارد المالية التي تعتمد عليها موسكو يشكل جزءاً أساسياً من الجهود الأوروبية الرامية إلى تقليص قدرتها على مواصلة الحرب.
اقرأ أيضا: دعم أوكرانيا وتعزيز الدفاع يتصدران قمة حلف الناتو في تركيا


