في إطار تحركات دبلوماسية نشطة داخل مجموعة “البريكس” في العاصمة الهندية نيودلهي، برزت قضايا الأمن الإقليمي وإصلاح النظام الاقتصادي العالمي وتعزيز الشراكات الاستراتيجية بين الدول النامية على رأس أجندة المشاركة المصرية، حيث أجرى وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، “بدر عبد العاطي”، اليوم الخميس، سلسلة لقاءات ومشاورات مع عدد من كبار المسؤولين، من بينهم رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” ووزير الخارجية البرازيلي “ماورو فييرا”.
وشددت التحركات المصرية على أهمية خفض التصعيد في مناطق التوتر، ودعم الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمات الإقليمية، بالتوازي مع الدفع نحو توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، وتعزيز دور مجموعة “البريكس” في إعادة تشكيل موازين الاقتصاد العالمي بما يعكس مصالح الدول النامية، وفي مقدمتها تعزيز الأمن الغذائي وتطوير مشروعات الربط الإقليمي والبنية التحتية.
دعوة مصرية لخفض التصعيد وحلول سياسية للأزمات الدولية
تصدرت قضايا الأمن الإقليمي والدولي أجندة التحركات المصرية، حيث استعرض وزير الخارجية الجهود التي تبذلها القاهرة لخفض التصعيد واحتواء التوترات المتزايدة في منطقة الشرق الأوسط، مؤكدًا أن استمرار الأزمات الإقليمية يهدد الاستقرار الدولي ويؤثر على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والغذاء.
وشدد “عبد العاطي” على أن الحلول الدبلوماسية والتسويات السياسية تبقى الخيار الوحيد القابل للاستدامة في إدارة النزاعات، مع التأكيد على رفض أي ممارسات تمس سيادة الدول أو تهدد أمنها واستقرارها، وضرورة منع اتساع رقعة الصراعات في الإقليم.
وفي هذا السياق، تناول الوزير “عبد العاطي” تطورات القضية الفلسطينية، مؤكدًا ضرورة ضمان تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية إلى قطاع غزة دون عوائق، والدفع نحو تنفيذ استحقاقات التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وصولًا إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية تضمن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.
لقاء مصري هندي: شراكة استراتيجية وطموح اقتصادي متنامٍ
وعلى هامش الاجتماعات، التقى وزير الخارجية برئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” ، حيث نقل تحيات الرئيس “عبد الفتاح السيسي”، مؤكدًا اعتزاز مصر بتطور العلاقات مع الهند والتي ارتقت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.
وأشاد “عبد العاطي” بانطلاق الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي بين البلدين خلال عام 2025، مؤكدًا أهمية ترسيخه كآلية دورية لتعزيز التنسيق السياسي والتعاون في المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية.
كما أكد الوزير “عبد العاطي” اهتمام مصر بتوسيع التعاون الاقتصادي مع الهند، مستهدفًا رفع حجم التبادل التجاري إلى 12 مليار دولار خلال السنوات الـ5 المقبلة، مستعرضًا الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها الحكومة المصرية، بما في ذلك سياسات سعر الصرف المرن وتحسين مناخ الاستثمار، وهو ما انعكس على مؤشرات الاقتصاد المصري والتصنيف الائتماني.
وتطرق اللقاء إلى التعاون في مجال الممرات التجارية والربط اللوجستي، حيث أبرز الوزير الدور المحوري لقناة السويس والبنية التحتية المصرية في دعم حركة التجارة العالمية وربط البحرين الأحمر والمتوسط.
من جانبه، نقل رئيس الوزراء الهندي تحياته إلى الرئيس “السيسي”، مشيدًا بحكمة القيادة المصرية في التعامل مع التحديات الإقليمية، ومؤكدًا اعتزاز بلاده بالعلاقات الوثيقة مع مصر وبالشراكة الاستراتيجية بين البلدين، إلى جانب تقديره للدور المصري في دعم الاستقرار الإقليمي.
تعاون مصري برازيلي لتعزيز التجارة والاستثمار
وفي لقاء ثانٍ، بحث وزير الخارجية المصري مع نظيره البرازيلي “ماورو فييرا” سبل تعزيز العلاقات الثنائية، حيث أكد الجانبان عمق الروابط بين البلدين، والحرص على تطويرها استنادًا إلى اتفاق الشراكة الاستراتيجية الموقع في نوفمبر 2024.
وشدد “عبد العاطي” على أولوية دفع التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، مشيرًا إلى أهمية زيادة حجم التبادل التجاري، خاصة عبر تنمية الصادرات المصرية إلى السوق البرازيلية، إلى جانب دعم مشروع إنشاء مركز لوجستي برازيلي لتخزين الحبوب في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يعزز دور مصر كمركز إقليمي للتجارة وإعادة التصدير.
كما تناول اللقاء التنسيق بشأن القضايا الإقليمية، حيث استعرض الوزير الجهود المصرية لاحتواء التوترات ودعم مسارات التفاوض بهدف تثبيت وقف إطلاق النار في مناطق النزاع.
من جانبه، أشاد وزير الخارجية البرازيلي بدور مصر الإقليمي، مؤكدًا التزام بلاده بتعزيز التعاون والتنسيق المشترك في مختلف المجالات.
مصر تدعو لإصلاح النظام الاقتصادي العالمي وتعزيز دور “البريكس”
وخلال اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة “البريكس”، دعا وزير الخارجية المصري إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء، ودعم دور بنك التنمية الجديد، وتوسيع المشروعات المشتركة في مجالات الطاقة والتصنيع والبنية التحتية والتكنولوجيا المتقدمة.
كما استعرض الوزير “عبد العاطي” مبادرات مصر داخل إطار “البريكس”، وعلى رأسها مشروع إنشاء مركز لوجستي للحبوب في شرق بورسعيد لتعزيز الأمن الغذائي، مؤكدًا أهمية هذه المشروعات في دعم التكامل الاقتصادي بين الدول النامية.
ودعا كذلك إلى إصلاح النظام الاقتصادي العالمي ومؤسسات الحوكمة الدولية، بما في ذلك مجلس الأمن، بما يضمن تمثيلًا أكثر عدالة للدول النامية، وخاصة القارة الأفريقية، مع دعم الأطر الأفريقية الموحدة في هذا السياق.
وأكد وزير الخارجية المصري على أن الدول النامية تتحمل العبء الأكبر من الأزمات الدولية المتشابكة، سواء الاقتصادية أو الجيوسياسية، ما يتطلب تعزيز التعاون متعدد الأطراف وتكثيف الجهود الدولية لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة.
وتُعد مجموعة “البريكس” واحدة من أبرز التكتلات الاقتصادية والسياسية الصاعدة في النظام الدولي، إذ انطلقت في الأساس من خمس دول هي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، قبل أن تشهد توسعًا تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة بانضمام عدد من الاقتصادات الناشئة، من بينها مصر وإثيوبيا وإندونيسيا والإمارات وإيران، وهو ما عزز من ثقلها وتأثيرها في ملفات الاقتصاد العالمي وإعادة تشكيل موازين القوى الدولية.
وتأسست المجموعة كإطار تنسيقي بين الاقتصادات الصاعدة بهدف تعزيز التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والتنمية، غير أنها تطورت لاحقًا لتتحول إلى منصة سياسية واقتصادية أوسع، تناقش قضايا الحوكمة العالمية، وإصلاح المؤسسات الدولية، وأزمات الطاقة والغذاء، إلى جانب ملفات الأمن والاستقرار الإقليمي في مناطق متعددة من العالم.
وقبل اجتماع وزراء خارجية دول مجموعة “البريكس”، في العاصمة الهندية نيودلهي، عقدت المجموعة اجتماعها السنوي الـ17 في مدينة “ريو دي جانيرو” بالبرازيل في يوليو 2025، تحت شعار “تعزيز التعاون بين دول الجنوب من أجل حوكمة أكثر شمولًا واستدامة”، حيث ركزت النقاشات على تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء ودعم آليات التنمية المستدامة وإصلاح النظام الاقتصادي العالمي.
اقرأ أيضا: الصين ترسم حدود العلاقة مع الولايات المتحدة في «قمة شي وترامب»







