عادت أسواق الطاقة العالمية إلى واجهة الأحداث مع تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت أعادت فيه التطورات المتسارعة في مضيق هرمز المخاوف بشأن أمن الإمدادات واستقرار التجارة الدولية.
ومع تبادل واشنطن وطهران الضربات والتصريحات المتشددة، تراقب الأسواق العالمية بقلق انعكاسات الأزمة على أسعار النفط والغاز والتجارة الدولية، خاصة أن التصعيد يأتي بعد أقل من شهر على توقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين لإنهاء الحرب وبدء مسار تفاوضي نحو اتفاق دائم، إلا أن التطورات العسكرية الأخيرة أعادت الشكوك بشأن مستقبل التهدئة وأثارت مخاوف من تحول المواجهة إلى أزمة ممتدة قد تؤثر لفترة طويلة على تدفقات الطاقة العالمية وتزيد الضغوط على الاقتصاد الدولي.
وتشير تحركات الأسواق إلى أن المخاوف بشأن اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز باتت المحرك الرئيسي للأسعار، نظراً لأهمية الممر الذي ينقل نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية.
وفي هذا السياق، أفادت صحيفة “الجارديان” البريطانية بأن أسعار النفط سجلت أعلى مستوياتها في 4 أسابيع، حيث ارتفع خام برنت إلى ما بين 86 و87 دولاراً للبرميل، بينما تجاوز خام غرب تكساس الوسيط مستوى 80 دولاراً للبرميل، بعد استئناف الضربات المتبادلة وإعلان الولايات المتحدة إعادة فرض حصار بحري على إيران.
ويرى محللون أن الأسواق تتعامل حالياً مع احتمال استمرار الاضطرابات في الخليج خلال الفترة المقبلة، وهو ما دفع مؤسسات مالية إلى ترجيح بقاء أسعار النفط ضمن نطاق يتراوح بين 85 و90 دولاراً للبرميل إذا استمر التصعيد، بحسب تقديرات نقلتها وكالة “رويترز” عن محللين في بنك “إيه إن زد” الأسترالي النيوزيلندي.
وتزايدت أهمية مضيق هرمز في المشهد الحالي بعدما تحول إلى محور رئيسي للصراع بين واشنطن وطهران، فبحسب ما نشره الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عبر منصة “تروث سوشيال”، أعلنت الولايات المتحدة إعادة فرض الحصار البحري على إيران، مؤكداً أن المضيق سيبقى مفتوحاً “بوجود إيران أو من دونها”، مع فرض رسوم بنسبة 20% على الشحنات العابرة بهدف تغطية تكاليف الأمن والحماية البحرية.
ويعكس هذا الموقف توجهاً أمريكياً لفرض ترتيبات جديدة على حركة الملاحة في الممر المائي الحيوي، وهو ما أثار اعتراضاً إيرانياً واسعاً.
ووفقاً لما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا“، أكد المتحدث باسم الجيش الإيراني العميد “محمد أكرمي نيا” أن القوات المسلحة الإيرانية “لن تتراجع قيد أنملة” بشأن مضيق هرمز، مشدداً على أن إعادة فتحه بصورة كاملة تتطلب احترام حقوق إيران والالتزام الأمريكي ببنود مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين.
ويرى مراقبون أن أخطر ما في الأزمة الحالية لا يتمثل فقط في تبادل الضربات، وإنما في تأثيرها المباشر على الاقتصاد العالمي، إذ إن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس سريعاً على تكاليف النقل والإنتاج والصناعة، ما يعيد الضغوط التضخمية إلى الاقتصادات الكبرى في وقت كانت فيه البنوك المركزية تأمل ببدء دورة تيسير نقدي تدريجية.
وفي هذا الإطار، نقلت صحيفة “الجارديان” عن محافظ بنك إنجلترا “أندرو بيلي” تحذيره من تداعيات انهيار محادثات السلام وتجدد الهجمات بين واشنطن وطهران، فيما عزز ارتفاع أسعار الطاقة المخاوف التضخمية ورفع توقعات تشديد السياسة النقدية في بريطانيا ومنطقة اليورو.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى أسواق الغاز، حيث أفادت “الجارديان” بأن أسعار الغاز الأوروبية سجلت أعلى مستوياتها في 3 أشهر، مع تصاعد المخاوف بشأن سلامة الإمدادات وحرية الملاحة في الخليج، في وقت حذر فيه محللون من أن استمرار التوتر قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على الأسواق العالمية.
كما تأثرت أسواق المال بالتوترات الأخيرة، إذ تعرضت الأسهم الأوروبية والأمريكية لضغوط بفعل المخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة وعودة التضخم، فيما حذر محللون نقلت عنهم صحيفة “فايننشال تايمز” من أن أي قيود محتملة على الملاحة في مضيق هرمز تزيد قلق المستثمرين وترفع مستوى المخاطر في الأسواق العالمية.
ومن جانب آخر، أشارت صحيفة “نيويورك تايمز” إلى أن الحرب مع إيران كانت أحد أبرز العوامل التي دفعت التضخم الأمريكي إلى الارتفاع خلال الأشهر الماضية بفعل صعود أسعار الطاقة، لافتة إلى أن أي موجة جديدة من الارتفاعات قد تعقد مهمة مجلس الاحتياطي الفيدرالي في السيطرة على الأسعار وتحديد مسار أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
وفي ظل استمرار الوساطات التي تقودها قطر وباكستان وسلطنة عُمان، تبدو الأسواق أمام مرحلة من الترقب الحذر، غير أن المؤشرات الحالية تعكس قناعة متزايدة لدى المستثمرين بأن أزمة مضيق هرمز عادت مجدداً لتكون أحد أهم مصادر القلق بالنسبة للاقتصاد العالمي، وأن مستقبل أسعار الطاقة خلال الأشهر المقبلة سيظل مرتبطاً إلى حد كبير بمسار المواجهة بين واشنطن وطهران وقدرة الجهود الدبلوماسية على منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تستمر لفترة طويلة.
اقرأ أيضا: واشنطن تستأنف ضرباتها على إيران وطهران ترفع سقف التهديد


