أخر الأخبار الجانبيةاقتصاد

وسط إدارة حكيمة لسوق الصرف.. رحلة «ترويض الدولار» وكسر المضاربات في 2025

لم يكن عام 2025 عامًا عاديًا في تاريخ سوق الصرف المصري، بل شكّل محطة فاصلة في مسار الدولار مقابل الجنيه، وعنوانًا لمرحلة انتقالية دقيقة انتقلت فيها السوق من ذروة الضغوط والتقلبات إلى نطاق أكثر انضباطًا واستقرارًا.

ففي الوقت الذي ظل فيه الدولار عالميًا أسيرًا لقرارات الفيدرالي الأمريكي وتداعيات التباطؤ الاقتصادي العالمي، استطاعت مصر أن تُدير ملف الصرف الأجنبي بعقلانية وهدوء، واضعةً الأساس لمرحلة جديدة قوامها الاستقرار النسبي، وتراجع فجوات التسعير، واستعادة الثقة تدريجيًا في الجنيه المصري.

هذا التقرير يرصد، بتحليل اقتصادي معمّق، رحلة الدولار خلال عام 2025، منذ مستوياته المرتفعة في مطلع العام، مرورًا بنقطة التحول في منتصفه، وصولًا إلى حالة الاستقرار النسبي بنهايته، مع تسليط الضوء على الدور المحوري للبنك المركزي المصري في إدارة هذه المرحلة المعقدة.

المشهد العالمي.. دولار مضغوط عالميًا

دخل الدولار الأمريكي عام 2025 وسط حالة من الترقب العالمي، بعدما بدأت الأسواق في تسعير احتمالات خفض أسعار الفائدة الأمريكية عقب دورة تشديد نقدي طويلة.

هذا التوجه ألقى بظلاله على أداء الدولار عالميًا، حيث شهد مؤشر الدولار تحركات عرضية مائلة للانخفاض، مع انتقال جزء من السيولة نحو أصول وأسواق بديلة.

وعلى الرغم من احتفاظ الدولار بدوره كملاذ آمن في فترات التوتر الجيوسياسي، فإن التوازن بين توقعات خفض الفائدة ومخاوف الركود العالمي حدّ من مكاسبه، وهو ما انعكس بشكل غير مباشر على أسواق الصرف في الاقتصادات الناشئة، ومنها مصر.

الدولار عند القمة في بداية 2025

مع مطلع عام 2025، كان الدولار مقابل الجنيه المصري يتحرك عند مستويات مرتفعة نسبيًا، متجاوزًا حاجز الخمسين جنيهًا في البنوك. هذه المستويات عكست تراكمات سنوات سابقة من الضغوط، وارتفاع الطلب على النقد الأجنبي، إلى جانب آثار تحرير سعر الصرف وتغيرات هيكلية في السوق.

وسجل الدولار ذروته خلال شهر أبريل، عندما لامس متوسط السعر الرسمي نحو 51 جنيهًا، في ظل حالة ترقب لدى المتعاملين، وتوقعات متباينة بشأن اتجاه السوق، غير أن هذه الذروة شكّلت في الوقت ذاته نقطة بداية لمسار تصحيحي هادئ، قادته عوامل داخلية أكثر من كونه استجابة لضغوط خارجية.

إدارة هادئة لسوق الصرف

منذ مايو 2025، بدأت ملامح التحول تظهر تدريجيًا في سوق الصرف، لم يكن التحول صادمًا أو مفاجئًا، بل جاء على هيئة تراجع متدرج ومدروس في سعر الدولار، عكس فلسفة إدارة نقدية تقوم على امتصاص الصدمات بدلًا من مواجهتها بتحركات حادة.

وهنا يبرز الدور المحوري للبنك المركزي المصري، الذي نجح في إدارة المعادلة الصعبة بين الحفاظ على استقرار السوق، منع عودة المضاربات، وعدم استنزاف الاحتياطي النقدي، حيث اعتمد المركزي على أدوات غير تقليدية، من بينها تعزيز مرونة السوق، وتحسين تدفقات النقد الأجنبي، وترك آلية العرض والطلب تعمل في إطار من الانضباط المؤسسي.

استعادة الثقة في النصف الثاني من العام

مع دخول النصف الثاني من 2025، أصبح الاتجاه الهبوطي للدولار أكثر وضوحًا، حيث تراجع إلى ما دون 49 جنيهًا في يوليو، ثم واصل انخفاضه التدريجي حتى استقر في نطاق 47–48 جنيهًا بنهاية العام.

الأهم من مستوى السعر نفسه، هو طبيعة الحركة؛ إذ اتسمت بالهدوء، وغياب القفزات المفاجئة، ما عزز من ثقة المتعاملين، سواء مستوردين أو مستثمرين، في قدرة السوق على تسعير العملة بشكل عادل.

كما شهدت هذه المرحلة تقلصًا ملحوظًا في الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وهي واحدة من أهم المؤشرات على نجاح السياسة النقدية، حيث تراجعت الفجوة إلى أقل من جنيه واحد بعد أن كانت تتجاوز جنيهين في بداية العام.

دور البنك المركزي المصري

لا يمكن قراءة مسار الدولار في 2025 بمعزل عن الأداء المؤسسي للبنك المركزي المصري، الذي قدّم نموذجًا لإدارة ملف شديد الحساسية في بيئة إقليمية وعالمية معقدة.

أبرز ملامح هذا الدور:

1. إدارة مرنة لسعر الصرف دون اللجوء إلى تثبيت مصطنع.

2. تعزيز موارد النقد الأجنبي عبر سياسات داعمة لتحويلات العاملين بالخارج والسياحة.

3. تقليص فجوة السوق الموازية عبر استعادة الثقة في القنوات الرسمية.

4. الحفاظ على احتياطي نقدي آمن دون استنزاف.

ويرى خبراء اقتصاديون أن ما تحقق في 2025 يُعد انتقالًا من إدارة الأزمة إلى إدارة الاستقرار، وهي مرحلة أكثر تعقيدًا وتتطلب أدوات دقيقة وتنسيقًا عالي المستوى.

انعكاسات تحركات الدولار على الاقتصاد

1. التضخم

ساهم تراجع الدولار نسبيًا في تهدئة الضغوط التضخمية، خاصة تلك المرتبطة بالسلع المستوردة، وهو ما انعكس تدريجيًا على أسعار بعض السلع الأساسية.

2. الاستثمار

بعث استقرار سعر الصرف برسائل طمأنة للمستثمرين، لا سيما في القطاعات الإنتاجية، حيث يُعد وضوح الرؤية في سوق الصرف عاملًا حاسمًا في قرارات الاستثمار.

3. التجارة الخارجية

ساعد استقرار الدولار المستوردين على إعادة تسعير عقودهم بصورة أكثر دقة، كما منح المصدرين رؤية أوضح لتكاليفهم وهوامش ربحهم.

قراءة مستقبلية – ما بعد 2025

رغم الإشارات الإيجابية، يؤكد الخبراء أن الحفاظ على استقرار سوق الصرف يتطلب استمرار السياسات الحالية، وتعميق الإصلاحات الهيكلية، وزيادة الاعتماد على موارد مستدامة للنقد الأجنبي.

ويرجّح أن يظل الدولار في نطاقات متوازنة خلال الفترة المقبلة، ما لم تطرأ صدمات خارجية حادة، وهو ما يمنح الاقتصاد المصري فرصة لالتقاط الأنفاس والبناء على ما تحقق.

استعادة توازن الجنيه

يمكن القول إن عام 2025 مثّل نقطة انعطاف في مسار الدولار مقابل الجنيه المصري. لم يكن عامًا للانتصارات السريعة، بل عام العمل الهادئ، والإدارة الحكيمة، والقرارات المحسوبة. وبينما لا تزال التحديات قائمة، فإن ما تحقق يعكس قدرة السياسة النقدية المصرية، بقيادة البنك المركزي، على إدارة الأزمات والتحول بها إلى مساحات أكثر استقرارًا، في إنجاز يستحق الإشادة والتقدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *