الصناعة: تاريخ الحضور الوزاري ومسيرة التحول الهيكلي وأثر دمجها مع النقل

الصناعة: تاريخ الحضور الوزاري ومسيرة التحول الهيكلي وأثر دمجها مع النقل
مشاركة المقال:
حجم الخط:

في خضم الجدل الحالي المتصاعد حول إمكانية فصل وزارة الصناعة عن وزارة النقل في الحكومة المصرية، بات من الضروري تقديم تقرير تحليلي يسلّط الضوء على الخلفية التاريخية لوزارة الصناعة في مصر، والتحولات التي مرت بها من حيث الهيكل الوزاري، والفترات التي كانت فيها وزارة مستقلة أو مدمجة مع وزارات أخرى، من تولّى الحقيبة الوزارية في تلك المراحل، وأبرز الإنجازات والانتقادات في كل حقبة.
تُعد وزارة الصناعة المصرية واحدة من أقدم الوزارات في المشهد الحكومي الوطني؛ فقد أنشئت رسميًا في 20 ديسمبر 1934 خلال عهد الملك أحمد فؤاد الأول بموجب مرسوم ملكي، تحت اسم مصلحة التجارة والصناعة التابعة لوزارة المالية، قبل أن تتحول إلى وزارة مستقلة في يوليو 1956 في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، تماشيًا مع التوجّه الوطني لتطوير الصناعة وإقامة مصانع الحديد والصلب وغيرها من المشاريع الإنتاجية القومية.
خلال عقودٍ طويلة، تماهت وزارة الصناعة مع هياكل حكومية أوسع تشمل التجارة أو الاقتران مع ملفات اقتصادية أخرى، كما كان الحال مثلا عندما حملت تسمية وزارة التجارة والصناعة، وهي بذرة عمل وظيفي يجمع بين إدارة الصناعة وتشجيع التجارة الخارجية، قبل أن يتغير اسمها ووظيفتها عبر الحكومات المتعاقبة في السنوات الماضية.
في 3 يوليو 2024، أعلن مجلس الوزراء في حكومة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي دمج الوزارة مع وزارة النقل في هيكل حكومي واحد تحت اسم وزارة الصناعة والنقل، وتولى قيادة هذا الكيان المفترض دمجه الفريق مهندس كامل الوزير بصفته نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير الصناعة والنقل.
يُعد هذا الدمج حدثًا استثنائيًا في المشهد الوزاري المصري؛ إذ يربط بين ملفين استراتيجيين في الاقتصاد الوطني: الصناعة ذات الطابع الإنتاجي، والنقل الذي يعد شريان الحركة اللوجستية والأساسية في دعم الصناعة. وقد أثار القرار جدلًا واسعًا في أوساط المستثمرين والخبراء، حيث يرى البعض أن هذه الخطوة تعكس ثقة القيادة السياسية في خبرة المهندس كامل الوزير وقدرته على تنفيذ ملفات تنموية ضخمة – استنادًا إلى إنجازاته السابقة في وزارة النقل – خاصة في جانب تطوير البنية التحتية والنقل اللوجستي الذي يخدم منظومة الصناعة.

من تولّى وزارتي الصناعة والنقل في الحقبة الحالية وأدوارهم
في ظل التركيبة الحكومية الحالية، يقود الفريق كامل الوزير وزارة الصناعة والنقل معًا منذ يوليو 2024، وهو شخصية تم تكليفه بإدارة ملف الصناعة بعد نجاحه في قيادة وزارة النقل على مدار سنوات سابقة، في خطوة تم تفسيرها من قِبل مسؤولين ومستثمرين بأنها محاولة لتحقيق تكامل بين البنية التحتية للنقل والدعم اللوجستي للصناعة.
قبل ذلك، ارتبطت وزارة الصناعة في فترات مختلفة بأسماء وزراء متخصصين في الصناعة والتجارة، من بينهم: طارق قابيل، ونيفين جامع، وأحمد سمير، ومنير فخري عبد النور، وغيرهم ممن شغلوا حقيبة الصناعة في سياقات مختلفة من السياسة الاقتصادية المصرية.

الإنجازات التحويلية في قطاع الصناعة (2014 – 2025)
في السنوات الأخيرة ارتكزت جهود الوزارة، سواء في هيكلها التقليدي أو في هيكلها المدمج تحت قيادة كامل الوزير، على نهج إعادة هيكلة وتنمية الصناعة الوطنية. وفق إحصاءات رسميّة: بلغت قيمة الإنتاج الصناعي حوالي 76 مليار دولار خلال 2024 وتستهدف الزيادة إلى حوالي 170 مليار دولار بحلول 2030 مع معدل نمو سنوي يقارب 10%، وارتفعت مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 14% في 2024، مع خطة لرفعها إلى 20% بحلول 2030، وتشير تقارير وزارة الصناعة إلى زيادة عدد المناطق الصناعية إلى 147 منطقة عام 2024 مقابل 121 منطقة في 2014، وارتفعت الصادرات الصناعية لتبلغ نحو 34 مليار دولار في 2024، وتُستهدف زيادتها إلى 118 مليار دولار بحلول 2030، كما تم إطلاق مجموعة من المبادرات التمويلية لدعم الصناعة، مثل: قروض دعم المصانع بقيمة 120 مليار جنيه بفائدة 15%، ومبادرات لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة عبر تمويلات بفائدة 5%، فضلاً عن مبادرات تحفيز الصادرات بقيمة إجمالية نحو 190 مليار جنيه حتى يونيو 2024.
من أبرز التغييرات الهيكلية التي اعتمدتها الوزارة الحديثة أيضًا توسيع منصة مصر الصناعية الرقمية بهدف تسهيل إجراءات المستثمرين في تخصيص الأراضي الصناعية، إصدار التراخيص، وإجراءات الدفع الإلكتروني، في خطوة تسعى لتشجيع الاستثمار وتبسيط الإجراءات.
منذ إعلان الحكومة في يوليو 2024 دمج وزارة الصناعة مع وزارة النقل تحت إدارة وزير واحد وكيان حكومي موحد، وقد أثار هذا القرار نقاشات واسعة في أوساط المستثمرين والخبراء الاقتصاديين حول ما إذا كان هذا التوحيد الإداري سيعزز قدرات القطاع الصناعي أم يخلق تحديات جديدة من حيث الأولويات والتركيز الاستراتيجي.

آراء المستثمرين ودافعي الدمج
في جانب التأييد، يرى عدد من المستثمرين أن اختيار الفريق مهندس كامل الوزير لقيادة الوزارة الموحدة جاء بناءً على نجاحاته السابقة في مجال النقل، خصوصًا في تنفيذ مشروعات قومية واسعة النطاق. بعض المستثمرين يعتبرون أن دمج وزارتي الصناعة والنقل سيمكّن من تحقيق تكامل لوجستي بين الإنتاج الصناعي وسلاسل الإمداد والمواصلات، ما يدعم تسريع حركة البضائع وتقليل تكاليف التشغيل.
كما أن التوجيهات الحكومية الحالية تُظهر تركيز الوزارة على تعزيز الدعم الفني والإداري للمصانع من خلال لقاءات دورية مع المستثمرين لمناقشة تحدياتهم وحلولها، وهو ما يقوم به الوزير بشكل منتظم على سبيل المثال في محافظة الجيزة بحضور المسؤولين المحليين والمستثمرين الصناعيين بهدف الاستماع إلى مطالب القطاع والعمل على حلها فورًا.

التكامل المؤسسي ودوره في التنمية
الجانب التنفيذي لهذا الدمج يبرز في ربط المشروعات الصناعية الكبرى بالبنية التحتية اللوجستية المتطورة؛ إذ يتم حاليًا تنفيذ مشاريع بنية تحتية ضخمة تشمل آلاف الكيلومترات من الطرق والشبكات، وهو ما يراه البعض مساندًا للتوسع الصناعي وتحسين حركة البضائع بين المحافظات وربطها بالموانئ والمراكز اللوجستية. وفق تصريحات الوزير فإن الحكومة أنفقت حوالي 2 تريليون جنيه على تطوير قطاع النقل بين 2014 و2024، شملت إنشاء وتحديث شبكة الطرق والسكك الحديدية لدعم المناطق الصناعية.
هذا التكامل بين منظومة النقل والمنظومة الصناعية يُنظر إليه من قبل بعض المحللين على أنه خطوة نحو تحويل مصر إلى مركز لوجستي وصناعي إقليمي، يربط بين إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. حالات مثل الطريق الاستراتيجي بين مصر وتشاد يُذكرها المسؤولون كأمثلة على توسيع القدرات اللوجستية لدعم حركة التجارة والاستثمار بين الدول.

الانتقادات والحذر من تشتيت التركيز

لم يغفل المشهد النقاشي الحديث عن مقترحات فصل الوزارة عن وزارة النقل؛ فبالرغم من الدعم الرسمي للقرار ضمن هدف تحقيق تكامل لوجستي وصناعي، يرى بعض المستثمرين والاقتصاديين أن دمج وزارتي الصناعات الثقيلة والخدمات الإنتاجية مع النقل قد يخفف من التركيز الاستراتيجي على السياسات الصناعية الصرفة، وأن الصناعة تحتاج وحدة وزارية مستقلة توجه مواردها وخططها بعيدًا عن أولويات النقل والبُنى الأساسية، وبعيدًا عن متطلبات التشغيل اليومي وإدارة البنية التحتية للنقل.
هذه الانتقادات ليست برؤى مفصّلة من بيانات إحصائية، لكنها تُعبر عن خوف منتظم الصناعات الصناعية الصغيرة والمتوسطة من أن تتحول القرارات نحو أولويات النقل على حساب دعم الصناعات القائمة، خاصة عندما يتطلب كل قطاع التخطيط طويل الأمد والمعرفة العميقة بظروف أداء القطاع في الأسواق المحلية والعالمية.
كما تشير بعض التحليلات إلى أن دمج الوزارات الكبيرة والمتنوعة في ملف واحد قد يزيد من تعقيدات الإدارة اليومية ويشتت الانتباه بين مهام متعددة تتطلب خبرات متمايزة، خصوصًا في بيئات تشهد تغيرات سريعة في أسواق الصناعة العالمية.

صناعة في مفترق الطرق بين الاندماج والاستقلال
تاريخ وزارة الصناعة المصرية حافل بالتحولات منذ تأسيسها في ثلاثينات القرن الماضي، مرورًا بتوسع مهامها لتحمل التجارة والتصنيع في آن واحد، وصولًا إلى دمجها مع النقل في الحكومة الحالية. عبر هذه المراحل، لعبت الوزارة دورًا محوريًا في صياغة سياسات صناعية وطنية تدعم النمو، تعزيز الإنتاج المحلي، وتشجيع التصدير.
لكن في ظل الضغوط الاقتصادية الراهنة والمنافسة العالمية، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان الاندماج الإداري مع النقل يُعزز القدرات الإنتاجية والتنافسية للصناعة أم أن فصلها في كيان مستقل يمنحها تركيزًا إستراتيجيًا أعمق. مع بقاء القرار الحكومي سياديًا، تتجه الأنظار الآن إلى تأثير هذا الدمج على القرارات الاستثمارية الكبرى وقدرة قطاع الصناعة على استعادة مكانته كمحرك أساسي للنمو الاقتصادي المصري.

مقالات مقترحة

عرض الكل