تواجه الأسواق المالية في الهند حالة من الاضطراب الشديد وغير المسبوق نتيجة تسارع وتيرة هروب رؤوس الأموال الأجنبية التي بلغت مستويات قياسية في وقت قصير للغاية.
تأتي هذه التطورات في ظل تقلبات جيوسياسية حادة أعقبت اندلاع الحرب على إيران، مما تسبب في إعادة رسم خريطة تدفقات الاستثمار العالمية ووضع الاقتصاد الهندي، الذي يعد واحداً من أكبر الاقتصادات الناشئة، تحت اختبار حقيقي وصعب.
وبحسب التقارير الصادرة عن وكالة “بلومبيرج”، فإن صدمة الطاقة العالمية الناتجة عن الصراعات في الشرق الأوسط قد كشفت عن نقاط ضعف هيكلية في السوق الهندية كانت كامنة لفترة طويلة، حيث لم تعد الدفاعات المحلية كافية لصد موجات البيع الأجنبي المكثفة.
أزمة حقيقية
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن شركة الإيداع المركزي للأوراق المالية في الهند إلى أن الصناديق الاستثمارية العالمية قد قامت بسحب ما يقارب 18.84 مليار دولار من الأسهم الهندية خلال فترة زمنية لم تتجاوز ثلاثة أشهر وبضعة أيام من عام 2026.
المثير للقلق في هذه الأرقام أنها تجاوزت بالفعل إجمالي التدفقات الخارجة التي سجلت طوال عام 2025 كاملاً والتي بلغت حينها 18.79 مليار دولار.
هذا النزيف المالي الحاد يعكس تراجعاً كبيراً في مستويات الثقة لدى المستثمرين الدوليين تجاه السوق الهندية، خاصة وأن الأسهم الهندية فقدت أكثر من 600 مليار دولار من قيمتها السوقية الإجمالية منذ وصولها إلى أعلى مستوياتها في العام الماضي، ولم تفلح محاولات التعافي البسيطة التي أعقبت هدنات مؤقتة في تغيير هذا المسار الهبوطي الواضح.
صدمة الطاقة
ويرى المحللون أن الأزمة الحالية ترتبط بشكل وثيق بتبعات الحرب في الشرق الأوسط التي تسببت في صدمة بقطاع الطاقة، مما أثار مخاوف جدية بشأن ارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي في الهند.
وبالرغم من أن الهند كانت تعتبر من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، إلا أن ارتفاع تكاليف الطاقة أدى إلى زيادة الضغوط على الروبية الهندية وضعف أرباح الشركات، مما جعل السوق يفتقر إلى محفزات حقيقية تجذب المستثمر الأجنبي مرة أخرى.
في المقابل، نجد أن هناك تحولاً هيكلياً في حركة رؤوس الأموال العالمية، حيث يفضل المستثمرون حالياً التوجه نحو الأسواق المرتبطة بثورة الذكاء الاصطناعي، لاسيما في دول مثل كوريا الجنوبية وتايوان اللتين تستفيدان بشكل مباشر من الطلب الهائل على أشباه الموصلات.
وقد سجلت هذه الأسواق تدفقات داخلة بمليارات الدولارات في نفس الوقت الذي كانت فيه الهند تخسر المليارات من سيولتها الأجنبية.
الدعم المحلي
وعلى الرغم من أن المؤسسات المالية المحلية والمستثمرين الأفراد في الهند حاولوا موازنة هذا التراجع عبر ضخ نحو 31 مليار دولار في السوق خلال العام الجاري، إلا أن هذا الدعم المحلي لم يكن كافياً لتعويض الفراغ الذي تركه المستثمرون الأجانب.
وأدت هذه الضغوط المتراكمة إلى دفع العملة الوطنية الهندية للهبوط إلى مستويات تاريخية متدنية، مما استوجب تدخل البنك المركزي الهندي لمحاولة الحفاظ على استقرار الصرف.
كما سجل مؤشر نيفتي 50 تراجعاً بنسبة تصل إلى 8% منذ مطلع العام، وسط تقييمات يراها خبراء بنك أوف أمريكا مرتفعة مقارنة بالأسواق الناشئة الأخرى.
وفي نهاية المطاف، يبقى رهان عودة الاستثمارات الأجنبية معلقاً بانحسار التوترات الجيوسياسية وتحسن هوامش ربحية الشركات، لكن الغموض لا يزال يكتنف التوقيت الزمني لهذا التعافي المأمول.



