
لم تعد صناعة السيارات تُقاس بعدد المركبات المُجمعة محليًا فقط، بل بمدى قدرة الدولة على تصنيع مكوناتها الأساسية، فالصناعات المغذية تمثل ما بين 60 و70% من القيمة الحقيقية للسيارة، وهي العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان الاقتصاد يمتلك صناعة متكاملة أم يكتفي بدور التجميع. وفي مصر، تقف صناعة قطع غيار السيارات اليوم أمام فرصة تحول حقيقية، بين طلب محلي متزايد واعتماد طويل على الواردات، مقابل توجه حكومي لتغيير هذه المعادلة.
هذا التوجه برز خلال اجتماع موسع عقده الفريق مهندس كامل الوزير، نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير الصناعة والنقل، مع ممثلي غرفة الصناعات الهندسية ومصنعي السيارات، حيث أكد أن الحكومة تعمل على إدراج الصناعات المغذية غير المنتجة محليًا ضمن قائمة 28 صناعة واعدة، للاستفادة من الحوافز الاستثمارية، بهدف تعميق التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، مع مواءمة قدرات المصانع المصرية مع المتطلبات الفنية لشركات تصنيع السيارات.
ويعكس هذا المسار إدراكًا رسميًا بأن أزمة القطاع لا ترتبط بحجم الطلب، بل بغياب قاعدة صناعية مكتملة، فمصر تستورد سنويًا مكونات سيارات بمليارات الدولارات، بدءًا من القطع المعدنية البسيطة وصولًا إلى الأنظمة الكهربائية المعقدة.
ويرى صانعو القرار، أن توطين هذه الصناعات يمكن أن يحول فاتورة الاستيراد إلى قيمة مضافة وفرص عمل داخل السوق المحلية.
وفي سياق متصل، شدد الوزير على أن الدولة بصدد إعداد استراتيجية متكاملة لتوطين صناعة صاج السيارات، باعتباره المادة الخام الرئيسية لمعظم الأجزاء الهيكلية، مؤكدًا أن المصنعين المحليين يمتلكون القدرة على دعم سلاسل التوريد وخفض فاتورة الواردات.
على مستوى القطاع الخاص، يرى علي توفيق، رئيس رابطة الصناعات المغذية للسيارات، أن تحول وكلاء قطع الغيار نحو التصنيع المحلي يمثل خطوة إيجابية تقلل الاعتماد على الخارج وتفتح آفاقًا للتصدير.
وأشار إلى أن السوق المصرية تمتلك مزايا تنافسية، من بينها قاعدة استهلاكية تتجاوز 7 ملايين مركبة، وخبرات صناعية في تشغيل المعادن واللدائن، وموقع جغرافي يتيح النفاذ إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط.
لكن هذه المزايا، بحسب توفيق، تحتاج إلى مظلة تنظيمية واضحة تضمن استقرار السياسات الجمركية، والالتزام بمعايير الجودة، إلى جانب توفير تمويل ميسر لتحديث خطوط الإنتاج.
وفي مؤشر على دخول القطاع مرحلة أكثر تنظيمًا، يستعد قطاع الصناعات الهندسية لإطلاق أول معرض متخصص لقطع غيار السيارات والصناعات المغذية، بهدف جذب استثمارات أجنبية، خاصة من الصين، وربط المنتج المحلي باحتياجات شركات التجميع العاملة في مصر.
كما يشهد القطاع توجهًا متزايدًا نحو استخدام تقنيات التصنيع الحديثة، مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد والماكينات الرقمية، وهو ما تم التأكيد عليه خلال ورش عمل نظمتها الهيئة العربية للتصنيع، باعتبارها أدوات فعالة لتقليل زمن الإنتاج وتوفير بدائل للأجزاء النادرة.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يواجه القطاع تحديات تتعلق بالمعايير الفنية، وارتفاع تكلفة التمويل، وتقلب أسعار المواد الخام، مثل الصلب والألومنيوم. ويرى خبراء أن توطين المواد الخام يمثل شرطًا أساسيًا لنجاح الصناعة.
وفي حال نجاح البرنامج الحكومي، تشير التقديرات إلى إمكانية رفع نسبة المكون المحلي إلى نحو 45% خلال سنوات قليلة، وخلق عشرات الآلاف من فرص العمل، وتقليل الضغط على النقد الأجنبي.
وبذلك، تقف مصر أمام فرصة حقيقية للتحول من سوق مستهلك إلى مركز إقليمي لصناعة قطع غيار السيارات، إذا ما توافرت الإرادة التنفيذية والتكامل بين الدولة والقطاع الخاص.





