تتصاعد تداعيات التوترات العسكرية المرتبطة بالحرب الأمريكية الإيرانية لتنتقل من قطاع الطاقة إلى عمق ملف الأمن الغذائي العالمي، حيث تواجه القارة الآسيوية تهديدات حقيقية تطال محصول الأرز، الذي يعد العصب الرئيسي لغذاء المليارات، نتيجة الاضطرابات الحادة في سلاسل إمداد الوقود والمدخلات الزراعية.
ضغوط تشغيلية
تشير التقارير الاقتصادية، وفي مقدمتها ما نقلته “بلومبيرغ”، إلى أن مزارعي الأرز في دول جنوب شرق آسيا باتوا يواجهون تحديات غير مسبوقة؛ فإلى جانب الارتفاعات القياسية في أسعار الديزل اللازم لتشغيل الآلات الزراعية، تسبب الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز في عرقلة وصول شحنات الأسمدة الحيوية.
هذا التزامن بين شح المدخلات وارتفاع تكاليفها، التي تضاعفت إلى نحو ثلاثة أمثال في بعض المناطق، دفع بقطاع عريض من المزارعين إلى اتخاذ قرارات صعبة، شملت ترك المحاصيل في التربة دون حصاد أو تأجيل مواسم الزراعة المقبلة لتجنب الخسائر الفادحة.
تحذيرات دولية
من جانبه، حذر ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة (فاو)، من أن استمرار إغلاق الممرات الملاحية الحيوية لفترة تتجاوز الشهر سيؤدي حتماً إلى نقص ملموس في توافر الغذاء خلال النصف الثاني من العام الجاري.
وأوضح أن هوامش الربح الضيقة للمزارعين تجعل من الصعب عليهم الاستمرار في الإنتاج تحت وطأة التكاليف الحالية، مؤكداً أن الحل الجذري يكمن في استعادة حركة الملاحة الطبيعية لضمان تدفق الأسمدة والوقود.
واقع المزارعين
تتجسد الأزمة بوضوح في دول مثل تايلاند وكمبوديا والفلبين، حيث تسود حالة من القلق بين ملايين المزارعين الصغار، ففي تايلاند، اضطر مزارعون للتخلي عن محاصيلهم الجاهزة للحصاد بسبب ارتفاع كلفة التشغيل التي فاقت العوائد المتوقعة.
وفي كمبوديا، تعالت صيحات التحذير من “حالة ذعر” تسيطر على القطاع الزراعي مع نقص التمويل والموارد الأساسية، وفي الفلبين، تشير التقديرات الفنية إلى احتمال انخفاض الإنتاج المحلي بنسبة تصل إلى 10%، أي ما يعادل نحو مليوني طن، وهو ما يضع ضغوطاً إضافية على الدولة التي تصنف كأكبر مستورد للأرز في العالم.
فجوة الأسعار
ومما يفاقم معاناة المنتجين هو التباين الحاد بين تكاليف الإنتاج المتصاعدة وأسعار البيع؛ حيث سجلت أسعار الأرز التايلاندي (المعيار الإقليمي) مستويات منخفضة دون الـ 400 دولار للطن خلال الفترة الماضية. هذا التراجع السعري، رغم ارتفاع الأعباء، جعل الزراعة نشاطاً غير مجدٍ اقتصادياً للكثيرين.
وعلى الرغم من محاولات بعض المزارعين التكيف عبر التحول لاستخدام الأسمدة العضوية أو زراعة محاصيل بديلة مثل الذرة، إلا أن هذه الحلول تظل محدودة الأثر ولا تغطي الفجوة الكبيرة التي خلفها غياب المدخلات الكيميائية المستوردة، مما يضع الأمن الغذائي في آسيا والعالم أمام اختبار حقيقي بانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع السياسية والعسكرية في المنطقة.







