في وقتٍ كانت فيه الأسواق العالمية تترقب قفزة قوية في أسعار الذهب مع اندلاع الحرب ضد إيران، جاء أداء المعدن الأصفر على عكس التوقعات تمامًا. فبدلًا من أن يتصدر الذهب قائمة الأصول المستفيدة من التوترات الجيوسياسية، تعرّض لضغوط ملحوظة أدت إلى تراجعه بنسب لافتة، في سلوك غير معتاد خلال الأزمات الكبرى.
ومع دخول الصراع أسبوعه الثالث، عقب قصف منشآت حيوية في إيران وتهديدات متبادلة بالتصعيد، شهدت الأسواق العالمية اضطرابات واسعة، كان أبرزها قفزة أسعار النفط إلى ما يتجاوز 100 دولار للبرميل، ما أعاد إشعال المخاوف التضخمية عالميًا. ورغم هذه البيئة التي يُفترض أن تدعم الذهب، تراجع سعره بنحو 5% مقابل الدولار منذ بداية الصراع، في مفارقة لافتة.
تراجع رغم الاضطرابات
تشير البيانات إلى أن الذهب، الذي كان قد سجّل مستويات قياسية منذ بداية العام، لم يتمكن من البناء على زخمه مع اندلاع الحرب ضد إيران. فبعد أن وصل سعر الأونصة إلى نحو 5327 دولارًا في الأسبوع الأول من التصعيد، عاد ليتراجع ويتداول بين 5000 و5200 دولار، قبل أن ينخفض لاحقًا إلى 4380 دولارًا.
كما سجّلت العقود الآجلة للذهب واحدة من أسوأ جلساتها، فيما وصفه مراقبون بـ”الخميس الأسود”، حيث هبطت الأسعار بنسبة تقارب 5.9% في يوم واحد، وسط موجة بيع حادة طالت أيضًا الفضة التي فقدت نحو 20% من قيمتها خلال سبع جلسات فقط.
وعلى أساس أسبوعي، اتجه الذهب لتسجيل أسوأ أداء له منذ 15 عامًا، كما يقترب من تسجيل أسوأ أداء شهري منذ أكتوبر 2008، رغم بقائه مرتفعًا منذ بداية عام 2026 بنسب تتجاوز 5%، بل وتصل إلى نحو 16% وفق تقديرات أخرى.
بحسب تحليل صادر عن بنك أوف أميركا، فإن السبب الرئيسي وراء هذا التراجع يتمثل في لجوء المستثمرين إلى بيع الذهب لتعزيز مستويات السيولة النقدية، في ظل موجة بيع حادة شهدتها أسواق الأسهم العالمية.
وأوضح المحلل لوسون ويندر أن المستثمرين قاموا بتصفية بعض الأصول الآمنة، بما في ذلك الذهب، لتوفير سيولة مالية خلال التقلبات، وهو ما حدّ من قدرة المعدن على الاستفادة من التوترات الجيوسياسية.
هذا التوجه لم يقتصر على المستثمرين الأفراد، بل امتد إلى المؤسسات الكبرى وصناديق التحوط، التي قلّصت بدورها انكشافها على المعادن الثمينة، إما لتغطية خسائر في أسواق أخرى، أو لتلبية متطلبات “الهامش”. كما سجّلت صناديق المؤشرات المتداولة، وعلى رأسها صندوق “SPDR Gold Shares”، تخارجًا صافياً لعدة أيام متتالية، في إشارة إلى تحول في شهية المستثمرين.
ويؤكد محللون أن جزءًا كبيرًا من هذا التخارج لا يعكس فقدان الثقة في الذهب بقدر ما يعكس الحاجة الملحة للسيولة، حيث تحوّل المعدن من أداة ادخار إلى “حصالة طوارئ” يتم اللجوء إليها عند الأزمات المركبة.
في موازاة ذلك، برز عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في قوة الدولار الأميركي. فقد ارتفع الدولار إلى أعلى مستوياته منذ عدة أشهر، مدعومًا بتزايد الطلب على الأصول السائلة في أوقات التوتر. وبما أن الذهب يُسعّر بالدولار، فإن ارتفاع العملة الأميركية يجعل شراءه أكثر تكلفة على المستثمرين من خارج الولايات المتحدة، ما يحدّ من الطلب عليه ويدفع الأسعار إلى التراجع.
وفي هذا السياق، قال كريستوفر بودين دي لارش، نائب الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة (NCM)، إن الأسواق شهدت “هروبًا نحو الأصول السائلة”، وهو ما دعم الدولار على حساب الذهب، مضيفًا أن المعدن لم يفقد صفته الدفاعية بالكامل، لكنه لم يعد الخيار الأول في لحظات التوتر السريع.
مفارقة معاكسة
من جهة أخرى، لعبت أسعار النفط دورًا محوريًا في إعادة تشكيل العلاقة التقليدية بين الذهب والأزمات. فبدلًا من أن تدعم الحرب ضد إيران أسعار الذهب مباشرة، أسهمت في رفع أسعار الطاقة، ما أدى إلى زيادة توقعات التضخم.
ويرى نور الدين محمد، رئيس مجلس إدارة شركة “تارجت للاستثمار”، أن هذه المفارقة كانت أحد أبرز أسباب تراجع الذهب، موضحًا أن ارتفاع النفط لم يدفع المعدن للصعود، بل أضعفه عبر بوابة التضخم.
فعندما ترتفع توقعات التضخم، تتراجع احتمالات خفض أسعار الفائدة، وهو ما يضغط على الذهب، الذي يزدهر عادة في بيئة الفائدة المنخفضة. هذا التوجه تأكد مع إعادة تسعير الأسواق لمسار السياسة النقدية، حيث تزايدت التوقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي لن يُقدم على خفض الفائدة في المدى القريب، بل قد يُبقي عليها مرتفعة لفترة أطول.
وأشار تقرير اقتصادي إلى أن الأسواق باتت تسعّر احتمالًا يقارب 80% لخفض واحد فقط خلال العام الجاري، في ظل استمرار الضغوط التضخمية. ويؤدي ارتفاع الفائدة إلى زيادة جاذبية الأصول ذات العائد مثل السندات والودائع، مقارنة بالذهب الذي لا يدر عائدًا، ما يرفع “تكلفة الفرصة البديلة” للاحتفاظ به.
وفي هذا السياق، قال محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، إن ارتفاع أسعار البترول أدى إلى زيادة تكاليف سلاسل الإمداد، ما يعزز التضخم ويدفع البنوك المركزية إلى التريث في خفض الفائدة، بل وربما رفعها، وهو ما يضغط بدوره على أسعار الذهب.
بالتوازي، شهدت أسواق السندات موجة بيع دفعت العوائد إلى الارتفاع، حيث سجلت عوائد السندات الأميركية قصيرة الأجل أعلى مستوياتها منذ أغسطس. ويمثل هذا التطور عامل ضغط إضافي على الذهب، إذ يفضل المستثمرون في هذه الحالة التحول إلى أدوات توفر دخلاً ثابتًا، بدل الاحتفاظ بأصل لا يدر عائدًا.
تغير سلوك المستثمرين
إلى جانب العوامل الاقتصادية، برز عامل سلوكي مهم يتمثل في تغير قناعات المستثمرين، خاصة الأفراد. فبعد موجة صعود قوية في بداية العام، مدفوعة جزئيًا بمخاوف “تفويت الفرصة”، بدأ بعض المستثمرين في إعادة تقييم مراكزهم، مع إدراك أن الأسعار قد تكون تجاوزت قيمتها العادلة. هذا التحول انعكس في تخارج تدريجي من صناديق الذهب، وتراجع الإقبال على المعدن كملاذ آمن، مقابل تفضيل السيولة أو الأصول المدرة للعائد.
على صعيد آخر، شهدت مشتريات البنوك المركزية تباطؤًا ملحوظًا، حيث بلغ صافي المشتريات نحو 5 أطنان فقط في يناير، مقارنة بمتوسط شهري بلغ 27 طنًا في عام 2025. ورغم استمرار بعض الدول، مثل الصين، في تعزيز احتياطاتها، فإن هذا التباطؤ أضعف إحدى الركائز الأساسية التي كانت تدعم أسعار الذهب خلال السنوات الماضية.
وأشار لطفي منيب، نائب رئيس شعبة الذهب والمجوهرات، إلى أن بعض الحكومات قلّصت مشترياتها من الذهب وركزت على تأمين احتياجاتها من النفط، في ظل ارتفاع أسعاره، وهو ما خفف من الضغوط الصاعدة على المعدن.
في بولندا، أثارت تكهنات حول احتمال تحولها من أكبر مشترٍ للذهب في 2025 إلى بائع، قلق الأسواق، رغم تراجع هذه المخاوف لاحقًا. أما في روسيا، فقد أدى قرار وزارة المالية تعليق مبيعات ومشتريات الذهب والعملات الأجنبية إلى زيادة حالة عدم اليقين، خاصة أن موسكو كانت من كبار البائعين عالميًا في الفترة الأخيرة.
وفي المقابل، استمرت دول مثل الصين في الشراء، حيث أضاف بنك الشعب الصيني نحو 25 طنًا في فبراير، في إطار استراتيجية تنويع الاحتياطيات، كما دخلت بنوك مركزية جديدة على خط الشراء، مثل كوريا الجنوبية وماليزيا، ما يشير إلى استمرار الطلب السيادي، وإن بوتيرة أكثر توازنًا.
في ضوء هذه التطورات، يرى باسل الخطيب، المحلل الاقتصادي والمالي، أن تراجع الذهب يعكس تداخل عدة عوامل، أبرزها تثبيت الفائدة الأميركية، وتحول المستثمرين نحو المضاربة في النفط، إلى جانب تراجع مشتريات البنوك المركزية. وأكد أن التذبذب الحالي يعكس تغيرًا في سلوك الأسواق، مشيرًا إلى أن الذهب لا يزال يحتفظ بقوته، لكن تحركاته أصبحت أكثر ارتباطًا بالسياسات النقدية والتوترات العالمية.
نظرة طويلة الأجل
ورغم الأداء الضعيف على المدى القصير، لا يزال الذهب يحتفظ بدعمه الهيكلي على المدى الطويل، مدفوعًا بعوامل مثل عدم اليقين الجيوسياسي، ومخاوف التضخم، واتجاه البنوك المركزية لتنويع احتياطاتها.
وفي هذا السياق، يرى كولين بوشيه، المؤسس المشارك في “Nuway Capital”، أن التحولات في الاقتصاد العالمي، مثل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد وزيادة الإنفاق الدفاعي، تعزز دور الذهب كأداة لحفظ القيمة. كما تشير تقديرات إلى أن صافي مشتريات البنوك المركزية قد يتراوح بين 750 و900 طن خلال عام 2026، ما يوفر أرضية دعم للأسعار، رغم موجات البيع الحالية.



