في الوقت الذي تشهد فيه أسعار الكهرباء موجات متتالية من الارتفاع، مدفوعة بتغيرات هيكلية في تكلفة الإنتاج وتداعيات الأوضاع الاقتصادية العالمية، تتزايد الضغوط بشكل مباشر على موازنات الأسر وتكاليف التشغيل داخل مختلف القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها القطاع الصناعي الذي يعتمد بشكل أساسي على الطاقة كعنصر رئيسي في عملية الإنتاج.
تحرك حكومي لتدشين مشروعات رياح بالجلالة وتعظيم دمج الطاقة الشمسية
ولم يعد ملف الكهرباء مجرد خدمة أساسية يتم استهلاكها بشكل تقليدي، بل تحول إلى أحد أبرز التحديات الاقتصادية اليومية التي تفرض على الدولة والمجتمع إعادة التفكير في أنماط الاستخدام، والبحث عن حلول تضمن استدامة الإمدادات دون تحميل الاقتصاد أعباء إضافية، خاصة مع استمرار تحريك الأسعار بما يعكس التكلفة الفعلية للإنتاج.
وفي ظل هذا الواقع، تبرز أهمية التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة باعتبارها أحد المسارات الاستراتيجية القادرة على تحقيق قدر من التوازن بين تأمين الاحتياجات المتزايدة من الكهرباء وخفض التكلفة على المدى المتوسط والطويل، وتأتي الطاقة الشمسية في مقدمة هذه البدائل، لما تمتلكه مصر من مقومات طبيعية استثنائية تجعلها من أكثر الدول المؤهلة عالميًا للاستفادة من هذا المصدر، حيث تقع ضمن الحزام الشمسي وتتمتع بمعدلات سطوع تتراوح بين 3000 و3500 ساعة سنويًا، إلى جانب مستويات إشعاع شمسي مرتفعة تمنحها ميزة تنافسية واضحة في مجال إنتاج الكهرباء من الشمس.
ورغم هذه المقومات الكبيرة، لا تزال مساهمة الطاقة الشمسية في مزيج الكهرباء في مصر محدودة نسبيًا، حيث تبلغ القدرات المركبة للطاقة الشمسية نحو 2.6 إلى 2.8 جيجاوات فقط حتى عام 2025، بما يمثل قرابة 2% من إجمالي إنتاج الكهرباء، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الإمكانيات الطبيعية الضخمة وحجم الاستغلال الفعلي على الأرض.
وتكشف المؤشرات الحالية عن مرحلة تحول تدريجية، مع توسع ملحوظ في تنفيذ مشروعات جديدة، وإضافة مئات الميجاوات خلال الفترة الأخيرة، إلى جانب خطط تستهدف إضافة نحو 3 جيجاوات جديدة خلال عام 2026، بما يعزز اتجاه الدولة نحو زيادة الاعتماد على الطاقة النظيفة.
كما تشير البيانات إلى أن إجمالي قدرات الطاقة المتجددة في مصر، بما يشمل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية، تجاوزت نحو 9 جيجاوات حتى عام 2025، مع وجود مشروعات قيد التطوير والتخطيط تتجاوز 18 جيجاوات إضافية خلال السنوات المقبلة، ما يعكس توجهًا استراتيجيًا واضحًا نحو تعزيز مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بتقلبات أسعار الطاقة عالميًا.
وفي هذا السياق، شهدت السوق المحلية خلال السنوات الأخيرة دخول استثمارات متنوعة في مجال الطاقة الشمسية، سواء على مستوى المشروعات الكبرى المرتبطة بالشبكة القومية للكهرباء، أو الاستخدامات الصناعية والتجارية الصغيرة والمتوسطة، مع تزايد اهتمام المصانع بتركيب أنظمة شمسية لتغطية جزء من احتياجاتها الكهربائية، باعتبارها حلًا مباشرًا لتقليل تكلفة التشغيل في ظل ارتفاع أسعار الكهرباء.
ورغم هذا التوسع، لا يزال انتشار الطاقة الشمسية على مستوى الاستخدام الفردي محدودًا نسبيًا، نتيجة ارتفاع التكلفة الأولية وضعف الوعي بآليات الاستفادة الاقتصادية منها.
وفي هذا الإطار، يرى المهندس مصعب عبد الرؤوف، عضو شعبة الطاقة بالغرفة التجارية، أن التعامل مع أزمة ارتفاع أسعار الكهرباء لا يجب أن يقتصر على البحث عن بدائل للإنتاج فقط، بل يتطلب رؤية متكاملة تقوم على محورين أساسيين، الأول هو التوسع في الاعتماد على الطاقة الشمسية لتعزيز الإنتاج، والثاني هو رفع كفاءة استهلاك الكهرباء عبر تحديث الأجهزة والمعدات.
وأكد عبد الرؤوف في تصريحات صحفية للبورصجية، أن هذه المعادلة تمثل المدخل الحقيقي لتحقيق وفر اقتصادي ملموس في فاتورة الطاقة، خاصة مع إمكانية تقليل الاستهلاك دون التأثير على كفاءة التشغيل، مشيراً، إلى أن القطاع الصناعي يمثل النموذج الأكثر جاهزية لتطبيق هذا التحول، نظرًا لتزامن فترات التشغيل مع ساعات سطوع الشمس، ما يتيح الاعتماد على الألواح الشمسية لتغطية نسبة كبيرة من الاحتياجات الكهربائية خلال النهار، إلى جانب إمكانية تطبيق حلول تقنية مبسطة تعتمد على تشغيل بعض المعدات بالتيار المستمر مباشرة من الألواح الشمسية، بما يقلل الفاقد الناتج عن عمليات تحويل التيار ويرفع كفاءة التشغيل، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على خفض تكلفة الإنتاج في ظل الزيادات الحالية في أسعار الكهرباء.
وأضاف أن رفع كفاءة استهلاك الكهرباء لم يعد خيارًا إضافيًا، بل أصبح ضرورة اقتصادية ملحة، سواء داخل المصانع أو في الاستخدامات المنزلية، لافتًا إلى أن التوجه العالمي يتجه تدريجيًا نحو تطوير أجهزة تعمل بكفاءة أعلى وباستهلاك أقل، مع إمكانيات أكبر للربط المباشر مع مصادر الطاقة المتجددة، وهو ما يمثل مستقبل منظومة الطاقة خلال السنوات المقبلة.
ويؤكد أن التوسع في الطاقة الشمسية لا يمثل مجرد بديل للطاقة التقليدية، بل خطوة استراتيجية لإعادة تشكيل منظومة الطاقة في مصر، وتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي والوقود الأحفوري، بما يدعم استقرار الإمدادات الكهربائية ويخفف من تأثيرات تقلبات الأسعار العالمية، ويعزز في الوقت نفسه من قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق الاستدامة ومواجهة الضغوط المتزايدة في قطاع الطاقة.







