تواصل مصر تعزيز موقعها على خريطة إنتاج التمور عالميًا، بعدما رسخت مكانتها كأكبر دولة منتجة لهذه السلعة الاستراتيجية، بإجمالي إنتاج سنوي يقترب من مليوني طن، ورغم هذه الصدارة، ما تزال مساهمة التمور المصرية في التجارة العالمية دون الطموحات، في ظل فجوة واضحة بين حجم الإنتاج وقيمة الصادرات، ما يدفع خبراء للمطالبة بإعادة هيكلة منظومة التسويق والتصنيع لتعظيم العائد الاقتصادي من هذا القطاع الواعد.
وتشير بيانات غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات المصرية إلى أن إنتاج مصر من التمور خلال عام 2025 بلغ نحو 1.87 مليون طن، بما يمثل قرابة 19% من إجمالي الإنتاج العالمي ونحو ربع الإنتاج العربي. ويعكس هذا الرقم قاعدة إنتاجية قوية، مدعومة بانتشار زراعة النخيل على نطاق واسع، إذ يتجاوز عدد أشجار النخيل في مصر 24 مليون نخلة، منها نحو 20 مليون نخلة مثمرة.
هذه المؤشرات تضع مصر في صدارة الدول المنتجة، متقدمة على عدد من كبار المنتجين إقليميًا ودوليًا، وتؤهلها نظريًا للعب دور أكبر في الأسواق الخارجية، خاصة مع التوقعات بنمو سوق التمور عالميًا خلال السنوات المقبلة.
وعلى الرغم من هذا الزخم الإنتاجي، سجلت صادرات التمور المصرية خلال عام 2024 نحو 105.6 مليون دولار فقط، بزيادة تقارب 19% مقارنة بالعام السابق. ورغم تحسن القيمة التصديرية، فإن نسبة ما يتم تصديره ما تزال تتراوح بين 2 و3% من إجمالي الإنتاج، وهي نسبة يراها متخصصون محدودة للغاية قياسًا بحجم المعروض.
ويرجع خبراء هذا التفاوت إلى عدة عوامل، في مقدمتها عدم توافق بعض الأصناف التقليدية مع اشتراطات الأسواق الدولية، إلى جانب تحديات تتعلق بسلاسل القيمة، ومنظومة التبريد والنقل، فضلاً عن محدودية التصنيع المتقدم الذي يضيف قيمة أكبر للمنتج قبل طرحه خارجيًا.
وأكدت الدكتورة مايسة حمزة، المدير التنفيذي لغرفة الصناعات الغذائية، أن العمل جارٍ على تطوير الإطار التنظيمي للقطاع، مشيرة إلى إصدار مواصفة قياسية لتمور “المجدول” (رقم 8733 لسنة 2023)، تمهيدًا لطرحها على لجنة الكودكس الدولية لاعتمادها كمواصفة إقليمية.
وأوضحت، أن السوق العالمي للتمور مرشح للوصول إلى نحو 18.7 مليار دولار بحلول عام 2029، بمعدل نمو سنوي يتجاوز 3%، ما يفتح المجال أمام مصر لزيادة حصتها السوقية حال معالجة الاختناقات الحالية في منظومة التصدير.
وأشار خبراء في الزراعة المستدامة إلى أن مصر نجحت في السنوات الأخيرة في تنويع خريطة الأصناف المزروعة، خاصة الأصناف ذات الطلب المرتفع عالميًا مثل: “البرحي” و”المجدول”، إلى جانب إدخال أصناف أخرى مثل: “السقعي” و”عجوة المدينة”، بما يعزز فرص التوسع في التصنيع وزيادة الصادرات.
وشددوا على أهمية الالتزام بالمنهج العلمي في التخطيط الزراعي، عبر دراسة احتياجات الأسواق المستهدفة قبل التوسع في الإنتاج، إلى جانب تبني تقنيات “الزراعة الذكية” التي تعتمد على أنظمة حديثة لمراقبة الري والظروف المناخية وتحليل الإنتاجية.
وأكد متخصصون، أن الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص أسهمت في إنشاء مزارع حديثة ومصانع تجهيز متطورة، انعكس أثرها على تحسين الجودة وزيادة القيمة المضافة. كما يجري التعاون مع شركات دولية لتطوير استخدامات مبتكرة لمخلفات النخيل، مثل تصنيع ألواح خشبية من السعف، بما يدعم الاقتصاد الدائري ويعزز الاستدامة.
ويرى خبراء، أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على الجودة والترويج الفعال، إلى جانب تقديم حوافز وتسهيلات للمستثمرين، سواء عبر تخصيص الأراضي أو دعم سلاسل الإمداد، بما يضمن تحويل التفوق الإنتاجي إلى مكاسب تصديرية حقيقية، ويعزز موقع مصر ليس فقط كأكبر منتج للتمور، بل كأحد أبرز مصدريها عالميًا.




