ملفات وحوارات

بعد تراجع عوائد الشهادات.. أين تتجه أموال المدخرين وم البدائل المتاحة؟

تراجعت عوائد الشهادات البنكية في مصر خلال عام 2025، عقب خفض البنك المركزي أسعار الفائدة بنحو 725 نقطة أساس. ويُتوقع أن ينعكس هذا القرار بشكل مباشر على سلوكيات الادخار لدى الأسر المصرية، خصوصًا الشريحة التي تعتمد على العائد الثابت كمصدر دخل شهري، مما أعاد طرح سؤال البدائل الاستثمارية المتاحة أمام المدخرين، وعلى رأسها أذون وسندات الخزانة، وصناديق الادخار بالبنوك، في وقت يتزايد فيه الطلب على أدوات استثمار آمنة ومرنة.

وكان البنك المركزي المصري قد خفّض أسعار الفائدة بنحو 725 نقطة أساس خلال عام 2025، ليصل سعر الإيداع إلى 20% والإقراض إلى 21%، في أكبر دورة خفض للفائدة منذ سنوات. وتبع هذا القرار تحركات واسعة من البنوك الحكومية الكبرى، وعلى رأسها بنكا الأهلي المصري ومصر، اللذان أقدما على خفض أسعار العائد على الشهادات الادخارية بالجنيه المصري، لتنخفض العوائد من مستويات تتجاوز 25% سابقاً إلى نطاق بين 16% و22% فقط.

تراجع الفائدة وسلوكيات الادخار

يرى خبراء مصرفيون أن خفض الفائدة كان له انعكاس مباشر على سلوك المدخرين، وخاصة الأسر التي تعتمد على العائد الشهري كمصدر دخل أساسي. وقال الخبير المصرفي وعضو مجلس إدارة بنك القاهرة سابقًا، محمد بدرة، إن تراجع عوائد الشهادات يؤثر على قرارات الادخار لدى قطاع واسع من المصريين، خصوصًا الفئات التي لا تمتلك وعيًا كافيًا بوجود أدوات استثمارية بديلة.

وأوضح بدرة أن انخفاض العائد «لم يُلغِ جدوى الشهادات بالكامل»، خصوصًا مع انخفاض التضخم خلال الفترة الماضية، مما جعل العائد الحقيقي لا يزال إيجابيًا. لكنه شدد على أهمية رفع الوعي بالبدائل، وعلى رأسها أذون وسندات الخزانة وصناديق الادخار بالبنوك التي تتميز بمرونة أكبر وسهولة تسييل.

وأضاف أن الفئات الأكبر سنًا قد تميل للتحول إلى الذهب مع توقعات ارتفاع أسعاره، بينما يشهد سوق العقارات تباطؤًا نتيجة زيادة المعروض وصعوبة التسييل على المدى القصير. ومع ذلك، ما زالت الشهادات الحالية «مغرية لشريحة واسعة» لكون العائد عليها خاليًا من الضرائب والرسوم.

السيولة تبحث عن وجهة

تزامن خفض الفائدة مع انتهاء آجال شهادات مرتفعة العائد منها شهادات الـ27% والـ28% التي صدرت قبل سنوات. وتشير تقديرات أولية إلى أن هذه الشهادات أعادت إلى السوق سيولة تتجاوز 1.3 تريليون جنيه خلال الربع الأول من 2026، بحسب ما ذكره الباحث الاقتصادي المتخصص في أسواق المال محمود جمال سعيد.

وقال سعيد إن هذه التطورات تمثل «اختبارًا مهمًا» للقطاع المصرفي، مؤكدًا أن خفض الفائدة لا يعني بالضرورة فقدان جاذبية الشهادات، خصوصًا لأصحاب المعاشات الذين يحتاجون إلى عائد ثابت يغطي مصروفاتهم الشهرية.

وفي خطوة استباقية، قام البنك الأهلي ومصر بتعديل عوائد عدد من الشهادات، حيث أصبح العائد الشهري على الشهادة البلاتينية ذات الثلاث سنوات 16%، فيما تراوحت العوائد المتدرجة بين 12% و22% سنويًا. كما خفّض بنك مصر عائد شهادة “القمة” من 17% إلى 16%، وأعاد تصميم شهادة “ابن مصر” بعائد متناقص يبدأ من 20.5% في عامها الأول.

بدائل جديدة

يرى باحثون أن الشهادات ليست وحدها على الساحة اليوم، إذ ظهرت أدوات جديدة تستحوذ على اهتمام المدخرين. ويصف محمود جمال سعيد “الصناديق النقدية” بأنها “الخيار الأذكى حاليًا”، كونها تستثمر في أذون خزانة مرتفعة العائد، وتتيح لمشتركيها الحصول على سيولة يومية، على عكس الشهادات التي تجمّد الأموال لسنوات.

كما رشّح سعيد البورصة المصرية كأحد المستفيدين من دورة خفض الفائدة، متوقعًا أن تجتذب ما بين 40 و50 مليار جنيه من السيولة الخارجة من الشهادات، خصوصًا قطاعات البنوك، والعقارات، والأسمدة.

تأثير الفائدة على المدخرين

في سياق متصل، قال الخبير الاقتصادي خالد الشافعي إن خفض الفائدة يحمل أثرًا إيجابيًا على الاقتصاد والسوق، إذ يعكس تراجع التضخم، ويزيد القوة الشرائية للعائد الذي يحصل عليه المودعون. واعتبر أن خفض الفائدة ينشّط حركة الاستثمار، ويزيد من فرص تمويل المشروعات.

ويفرّق الشافعي بين المدخرين، فبينما يتمسك من يحتاج إلى دخل شهري بالشهادات، يتجه آخرون إلى الذهب أو الفضة باعتبارهما مخزنًا للقيمة، فيما يتجه أصحاب المدخرات الكبيرة إلى العقار.

انتهاء شهادات 28% وجدل حول مصير الأموال

انتهت خلال الأشهر الأخيرة آجال شهادات بعائد اقترب من 28%، والتي يقدرها خبراء بنحو 1.5 تريليون جنيه. ومع خفض الفائدة لأكثر من خمس مرات متتالية، عاد الجدل حول مستقبل هذه الأموال.

ويرى الخبير المصرفي وائل النحاس أن نحو 8% فقط من هذه الأموال قد يغادر القطاع المصرفي، بينما سيظل الجزء الأكبر داخل البنوك، نظرًا لطبيعة حملة هذه الشهادات من كبار السن والمتقاعدين الذين لا يفضلون المخاطرة.

وأوضح النحاس أن البنوك لن تعود لإصدار شهادات مرتفعة العائد، إذ لم يعد ذلك مجديًا في ظل اتجاه البنك المركزي نحو خفض الفائدة. وأضاف أن انخفاض التضخم سيُستخدم كرسالة تسويقية لإقناع المودعين بأن العائد الحقيقي أصبح أعلى من السابق.

وأكد أن البدائل متاحة، وتشمل شهادات بعوائد بين 17% و21%، وصناديق استثمار بعائد قد يتجاوز 20% في عامها الأول، إضافة إلى أدوات أخرى مثل الذهب والعقارات والدولار والأسهم.

تباين في تقدير حجم الشهادات المنتهية

من جهته، قال أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة محمد عبد الهادي إن التقديرات الرسمية حول قيمة الشهادات المنتهية مختلفة؛ فبينما أشار المركزي في تقارير إلى 600 مليار جنيه، رفعت تقارير أخرى الرقم إلى 888 مليار جنيه، ما يصعّب تحديد القيمة بدقة.

وأكد عبد الهادي أن البنوك تحركت لضمان بقاء هذه الأموال داخل الجهاز المصرفي، عبر إنشاء أوعية ادخارية بعائد يصل إلى 21%، وأوعية أخرى مقومة بالذهب، مستفيدة من استمرار دورة صعود الذهب.

وأضاف أن قطاع العقار قد لا يكون الوجهة الأولى لحملة هذه الشهادات، لأنهم يبحثون عن عوائد سريعة ومضمونة، وهو ما لا يوفره الاستثمار العقاري مقارنة بالذهب أو الأوعية المصرفية.

الاستثمار الآمن وتوسيع الثقافة المالية

ويرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب أن معظم حملة هذه الشهادات من المتقاعدين أو المصريين العاملين بالخارج، وهم يفضلون الاستثمار الآمن مهما كان العائد أقل. وأوضح أن البنوك أطلقت صناديق استثمار بعوائد مرتفعة في عامها الأول لتوفير بدائل مناسبة.

وأشار عبد المطلب إلى أن انتشار الثقافة الاستثمارية عبر منصات التواصل قد يدفع جزءًا من هذه الأموال نحو أذون الخزانة باعتبارها الأعلى أمانًا. كما دعا الحكومة إلى توسيع ملكية المواطنين في الشركات العامة عبر الطروحات، وإقناع حَمَلة الشهادات بالاستثمار فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *