أثار قرار إغلاق المحال التجارية والمطاعم والمراكز التجارية مبكرا، كثيرًا من التساؤلات بشأن جدواه الاقتصادية، في مقابل ما يستهدفه من ترشيد استهلاك الطاقة وتقليل فاتورة استيراد الوقود، وذلك في ظل تصاعد التحديات الإقليمية والعالمية المرتبطة بأسعار الطاقة.
وبدأت الحكومة، اعتبارًا من السبت الماضي، تنفيذ القرار الذي يقضي بإغلاق المحال في الساعة التاسعة مساءً يوميًا، مع مدّ العمل حتى العاشرة مساءً يومي الخميس والجمعة، مع استثناءات لقطاعات حيوية، من بينها المخابز والبقالة والصيدليات، إلى جانب المنشآت السياحية في مناطق محددة مثل جنوب سيناء والبحر الأحمر والأقصر، وبعض الأنشطة المرتبطة بالنيل في القاهرة والجيزة.
ويأتي القرار، وفق تصريحات رسمية، في إطار إجراءات مؤقتة تستهدف احتواء تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، على خلفية التوترات الجيوسياسية في المنطقة، خاصة مع تصاعد تأثيرات الحرب على إيران في الإقليم على أسواق النفط والغاز.
دوافع القرار
أكد رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، في تصريحات سابقة، أن قرار الإغلاق المبكر جاء بعد مناقشات موسعة، بهدف تقليل استهلاك الكهرباء والوقود، مشيرًا إلى أن الترشيد لا يقتصر فقط على الطاقة المستخدمة داخل المحال، بل يمتد أيضًا إلى خفض استهلاك الوقود الناتج عن حركة انتقال المواطنين.
وتعكس الأرقام الرسمية حجم الضغوط التي تواجهها الدولة في هذا الملف؛ إذ ارتفعت فاتورة استيراد الوقود من نحو 1.2 مليار دولار في يناير إلى 2.5 مليار دولار في مارس، في ظل تراجع بعض مصادر النقد الأجنبي وارتفاع أسعار السلع عالميًا.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور حافظ سلماوي، رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء السابق، أن الأزمة ترتبط بشكل مباشر بالتطورات في أسواق الطاقة العالمية، مشيرًا إلى أن نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط تمر عبر مضيق هرمز، وأن الأسعار شهدت ارتفاعًا ملحوظًا، سواء للبترول أو الغاز.
وأضاف أن مصر تستورد نحو ثلث احتياجاتها من الغاز، محذرًا من أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يرفع تكلفة الغاز إلى نحو 9 مليارات دولار سنويًا، ما يفرض ضغوطًا إضافية على الاقتصاد. وأشار إلى أن الإجراءات الحالية، بما فيها الإغلاق المبكر، تندرج ضمن حزمة مؤقتة تستهدف ترشيد استهلاك الطاقة، لافتًا إلى أن المحال التجارية تمثل نحو 8% من إجمالي استهلاك الكهرباء.
من جانبه، أكد الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي، أن القرار يستهدف بالأساس تخفيف الضغط على شبكة الكهرباء، موضحًا أن تقليص ساعات العمل قد يسهم في خفض الاستهلاك بنسبة تصل إلى 3 بالمئة، وهو ما ينعكس على تقليل استيراد الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء.
لكنه يرى على الجانب الآخر، أن القرار يؤثر سلباً على العائدات الاقتصادية للمحال وعلى دخل العاملين فيها، وبالتالي على الاقتصاد الكلي للبلاد، مشيرا إلى أن إجراءات موازية، مثل خفض إنارة الشوارع، ساهمت في تقليل الاستهلاك اليومي بنسب تقترب من 10 بالمئة، ما يعزز من كفاءة إدارة الموارد في المدى القصير.
وفي قراءة أوسع لخريطة استهلاك الكهرباء، تُظهر بيانات الشركة القابضة لكهرباء مصر للعام المالي 2023/2024 أن المحال التجارية تستحوذ على نحو 5.4 بالمئة من إجمالي الاستهلاك، بينما تمثل الإنارة العامة قرابة 2.7 بالمئة. وفي المقابل، يذهب النصيب الأكبر إلى القطاع المنزلي بنسبة 37.2 بالمئة، يليه القطاع الصناعي بنحو 27 بالمئة، في حين تستهلك الجهات الحكومية والقطاعات التابعة لها نحو 10.4 بالمئة.
وتعكس هذه المؤشرات أن استهداف الأنشطة التجارية قرار الإغلاق المبكر يأتي ضمن مقاربة أوسع لإدارة الطلب على الطاقة، في ظل توزيع متشعب للاستهلاك بين قطاعات متعددة، وهو ما يفسر توجه الحكومة إلى تبني حزمة متكاملة من إجراءات الترشيد.
ويتفق مع هذا الطرح الدكتور محمد عبد الفتاح، استشاري الاستدامة واستراتيجيات الطاقة، الذي أوضح أن الأنشطة التجارية، خاصة المطاعم والكافيهات، تعتمد بشكل مكثف على الإضاءة والتكييف والمعدات الكهربائية خلال ساعات الذروة المسائية، وهو ما يزيد الضغط على الشبكة.
وأضاف أن تقليل ساعات التشغيل يسهم في تخفيف الأحمال ومنح الشبكة قدرة أكبر على الاستقرار، إلى جانب تقليل استهلاك الوقود المستخدم في توليد الكهرباء، بما يدعم أهداف الاستدامة ويخفض الانبعاثات.
وأشار إلى أن ترشيد الاستهلاك لا يجب أن يُنظر إليه كإجراء منفصل، بل كجزء من منظومة متكاملة لإدارة الطلب على الطاقة، مؤكدًا أهمية التوسع في استخدام التكنولوجيا الموفرة للطاقة وتحسين كفاءة الأجهزة الكهربائية.
تأثيرات متفاوتة
في المقابل، تبرز تساؤلات بشأن التأثيرات الاقتصادية للقرار، خاصة على الأنشطة التي تعتمد على العمل الليلي. ويرى الدكتور محمد أبو نار، الخبير الاقتصادي والمصرفي، ضرورة التمييز بين هدف ترشيد الاستهلاك والجدوى الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الاقتصاد المصري ذو طابع خدمي يعتمد بدرجة كبيرة على العمل على مدار اليوم.
وأضاف أن استمرار تطبيق القرار لفترات طويلة قد يؤدي إلى آثار سلبية على الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة تراجع النشاط التجاري وانخفاض ساعات التشغيل.
ويتفق مع هذا الرأي الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، الذي أكد أن القرار قد يؤدي إلى تراجع نسبي في حجم المبيعات اليومية، خاصة في القطاعات التي تعتمد على الفترات المسائية، مثل المطاعم والمقاهي وتجارة التجزئة.
وأوضح أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة ستكون الأكثر تأثرًا، نظرًا لاعتمادها الكبير على عدد ساعات التشغيل لتحقيق الإيرادات، مشيرًا إلى أن خفض ساعات العمل قد ينعكس مباشرة على الأرباح ومستويات التشغيل.
وتسلط بيانات الاستهلاك الضوء على تعقيد المشهد؛ استند إليه رضا فرحات، خبير التنمية المحلية ومحافظ الإسكندرية الأسبق، إلى أن النشاط الاستهلاكي في مصر يبلغ ذروته بين الثامنة والتاسعة مساءً، حيث تصل نسبة الإقبال إلى ما بين 85% و90%.
وأوضح أن توقيت الإغلاق عند التاسعة مساءً يعني التأثير المباشر على فترة الذروة، ما قد يؤدي إلى تراجع في الإيرادات، مؤكدًا أن تغيير هذا النمط الاستهلاكي يتطلب وقتًا طويلًا نظرًا لاعتياد المصريين على النشاط الليلي.
وتعكس الأرقام حجم التأثير المحتمل؛ إذ يعمل في قطاع المطاعم وحده نحو 710 آلاف عامل، ضمن أكثر من 400 ألف منشأة، بينما يضم قطاع تجارة التجزئة نحو 1.7 مليون محل يعمل بها أكثر من 4.1 مليون عامل. وتشير التقديرات إلى أن القرار قد يؤثر على أكثر من 7.5 مليون شخص بين أصحاب أعمال وعاملين.
بدائل موازية
في ظل هذه المعطيات، يرى عدد من الخبراء أهمية تبني سياسات موازية لتقليل الآثار السلبية. فقد أشار عبد النبي عبد المطلب، أستاذ الاقتصاد السياسي، إلى أن تقييم جدوى القرار يتطلب احتساب “تكلفة الفرصة البديلة”، لمعرفة ما إذا كان الوفر في الطاقة يفوق الخسائر الناتجة عن تراجع النشاط الاقتصادي.
وأضاف أن القرار يحمل جانبًا إيجابيًا في الظروف الحالية، لكنه قد يخلّف تداعيات اجتماعية واقتصادية، خاصة على الأنشطة الخدمية، مشددًا على أهمية التوسع في العمل عن بُعد وترشيد تشغيل الأنشطة غير الحيوية لتحقيق التوازن المطلوب.
كما دعا الدكتور محمد عبد الفتاح إلى تطبيق القرار بمرونة، مع مراعاة طبيعة كل قطاع، وإتاحة استثناءات لبعض الأنشطة، خاصة في المناطق السياحية، إلى جانب دعم التحول نحو حلول بديلة مثل التجارة الإلكترونية.
وفي السياق ذاته، أكد فخري الفقي، الخبير الاقتصادي والرئيس السابق للجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، أن القرار يرتبط مباشرة بتداعيات الأوضاع الإقليمية، مشيرًا إلى أن الاقتصاد المصري يمتلك قدرة نسبية على التكيف من خلال إعادة تنظيم ساعات العمل والتحول نحو النشاط النهاري.
من ناحية أخرى، يرى الدكتور عمرو الشوبكي، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن القرار يحمل بُعدًا تنظيميًا إلى جانب البعد الاقتصادي، مشيرًا إلى ضرورة وضع نظام واضح لمواعيد فتح وإغلاق المحال التجارية، أسوة بما هو معمول به في العديد من دول العالم.
وأضاف أن استمرار عمل المحال حتى ساعات متأخرة يعكس حالة من العشوائية، مؤكدًا أن تنظيم المواعيد قد يسهم في تحسين جودة الحياة وتقليل الإزعاج، مع ضرورة استثناء الأنشطة السياحية والمطاعم.
ويأتي قرار الإغلاق المبكر ضمن حزمة أوسع من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة الضغوط الاقتصادية، شملت رفع أسعار الوقود بنسب تتراوح بين 13% و30%، وزيادة أسعار المواصلات، وخفض مخصصات الوقود للمركبات الحكومية، إلى جانب تطبيق العمل عن بُعد يومًا أسبوعيًا، وتقليل إنارة الشوارع.
وتزامنت هذه الإجراءات مع ارتفاع معدلات التضخم، التي بلغت 13.4% على أساس سنوي، وتسارع وتيرة التضخم الشهري، فضلًا عن تذبذب سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد.
توازن مطلوب
في المحصلة، يعكس قرار الإغلاق المبكر حالة من التوازن الدقيق الذي تسعى الحكومة لتحقيقه بين متطلبات ترشيد استهلاك الطاقة، والحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي.
فبينما يؤكد الخبراء أن القرار قد يسهم في تخفيف الضغط على شبكة الكهرباء وتقليل فاتورة الاستيراد، تظل المخاوف قائمة بشأن تأثيراته على قطاعات واسعة من الاقتصاد، خاصة الأنشطة الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على العمل الليلي.
ويبقى نجاح القرار مرهونًا بقدرته على تحقيق هذا التوازن، من خلال تطبيق مرن، ودعم للقطاعات المتضررة، إلى جانب استمرار متابعة نتائجه على أرض الواقع، في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تفرضها التطورات الإقليمية وأسواق الطاقة العالمية.


