لم يعد ملف الدين العام في مصر مجرد مؤشر مالي يثير القلق أو رقم ثقيل في بنود الموازنة، بل شهد تحولًا لافتًا في فلسفة التعامل معه، ليصبح أحد الأدوات الاستراتيجية الداعمة للنمو والتنمية الاقتصادية، هذا التحول في الرؤية، من منطق السداد والتقشف إلى منطق التمويل والإنتاج، حظي بإشادة دولية، بعدما خصّ المنتدى الاقتصادي العالمي التجربة المصرية بتقرير تحليلي اعتبرها نموذجًا جديرًا بالمتابعة في المنطقة.
وأشار تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، أن مصر باتت تمتلك القدرة على توظيف الدين القومي كرافعة للنمو طويل الأجل، بدلًا من كونه عبئًا يثقل كاهل المالية العامة.
وأوضح التقرير، أن النهج المصري لا يقتصر على خفض الأعباء أو تحسين مؤشرات الدين التقليدية، بل يمتد إلى إعادة توجيه التمويل نحو مشروعات ذات عائد اقتصادي، ما يمنح إدارة الدين طابعًا أكثر ديناميكية وحداثة مقارنة بالأساليب التقليدية السائدة.
ووفقًا للتقرير، نجحت مصر في خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من نحو 96% بنهاية عام 2023 إلى حوالي 85.6% بحلول يونيو 2025، بفضل ما وصفه المنتدى بـ«إدارة دين مبتكرة»، كما لفت إلى ريادة مصر إقليميًا في مجال تمويل المناخ، بعد إطلاقها إطار التمويل المستدام وإصدار أول صكوك خضراء حكومية، في خطوة تعكس تنويع أدوات الاقتراض وربطها بأهداف التنمية المستدامة.
وتكشف أحدث بيانات وزارة التخطيط عن تسجيل إجمالي الدين العام المصري نحو 14.949 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2025، مع استمرار هيمنة الدين المحلي على الهيكل العام للدين، ورغم ارتفاع القيمة الاسمية، فإن التراجع الملحوظ في نسبة الدين إلى الناتج المحلي يعكس نمو الاقتصاد وتوسع قاعدة الناتج، وهو ما ساهم في تقليص الوزن النسبي للدين داخل المنظومة الاقتصادية.
أما على صعيد الدين الخارجي، فتشير بيانات مطلع عام 2026 إلى بلوغه نحو 163.7 مليار دولار بنهاية الربع الأول من العام المالي الحالي، ما يؤكد اعتماد الدولة على مزيج من أدوات التمويل طويلة ومتوسطة الأجل، في ظل استمرار خدمة الدين كأحد البنود الضاغطة على الموازنة العامة، خاصة في بيئة عالمية تتسم بارتفاع أسعار الفائدة وتقلبات السيولة.
ويرى اقتصاديون، أن خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي لا يُعد كافيًا بمفرده لتحسين الوضع المالي، ما لم يتزامن مع رفع كفاءة استخدام الديون، وهنا يبرز التحول النوعي الذي أشار إليه المنتدى الاقتصادي العالمي، حيث تعمل الدولة على توجيه التمويل إلى مشروعات البنية التحتية والطاقة والقدرة الإنتاجية، بما يحقق عوائد مستقبلية قادرة على تخفيف أعباء خدمة الدين تدريجيًا.
ويؤكد الخبير الاقتصادي عبد الهادي خلاف، أن التجربة المصرية في إدارة الدين تشهد انتقالًا من إطار مالي تقليدي إلى إطار تنموي أوسع، موضحًا أن تغيير طريقة التفكير هو العنصر الحاسم، لأنه يحول الدين من التزام مالي إلى أداة تمويل مستدامة للنمو.
وأضاف خلاف، في تصريحات خاصة لـ”البورصجية”، أن التوسع في أدوات التمويل الأخضر يمثل فرصة مهمة لجذب تدفقات دولية بتكلفة أقل وآجال أطول، معتبرًا أن الدمج بين استدامة الدين واستدامة التنمية قد يشكل مسارًا جديدًا للدول الصاعدة.
وأشار إلى أن استمرار الإصلاحات المالية والمؤسسية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، تظل عوامل أساسية لتعزيز متانة الاقتصاد وتقليص المخاطر المرتبطة بالدين العام مستقبلًا.




