مقال رأي

هاني أبو الفتوح يكتب: اقتصاد التكافل في 2026.. هل تنجح الأرقام في سد فجوة المائدة؟

هاني أبو الفتوح

هاني أبو الفتوح

محلل اقتصادي
هاني أبو الفتوح يكتب:  اقتصاد التكافل في 2026.. هل تنجح الأرقام في سد فجوة المائدة؟

هاني أبو الفتوح

مشاركة المقال:
حجم الخط:

بينما تتحدث الأرقام الرسمية عن نجاح التحالف الوطني للعمل الأهلي في تقديم 6 ملايين وجبة خلال رمضان 2026، يرى المواطن العادي مشهدًا مختلفًا تمامًا. طوابير طويلة أمام مراكز التوزيع، وأحيانًا نفاد بعض المواد قبل وصولها للمحتاجين. على الورق، يبدو الاقتصاد الخيري منظّمًا ومستدامًا، لكن الواقع اليومي للمواطنين الأكثر ضعفًا يُظهر فجوة ملموسة بين المؤشرات والنتائج الفعلية.

التحالف الوطني لم يعد مجرد مؤسسة خيرية عشوائية. التحول إلى اقتصاد التكافل يعكس فهمًا عميقًا لدور المجتمع المدني كـ ممتص صدمات اقتصادي في أوقات الأزمات. البيانات الرسمية تشير إلى أهداف ضخمة: 6 ملايين وجبة وأكثر من 500 متطوع وتحويل الدعم لمئات الآلاف من الأسر في مختلف المحافظات. لكن الغلاء يضغط على الجميع. فكل وجبة اليوم أصبحت عبئاً يهدد استمرارية هذا الدعم ويضعه في اختبار صعب.

هناك فجوة واضحة بين لغة الأرقام وحقيقة المائدة؛ فالدعم لا يجد طريقه دائماً إلى جيب المواطن. زحام التوزيع وتذبذب التبرعات وأخطاء كشوف المستحقين. كلها عوامل تجعل الواقع بعيداً عما تعلنه البيانات. هذه الفجوة هي التي تحدد نجاح أي برنامج وليس مجرد الإعلانات الإعلامية أو المؤشرات الإحصائية.

الاستراتيجية التي يتبعها التحالف تعكس تحولًا مهمًا، من الصدقة العشوائية إلى مؤسساتية الاستدامة. هذا التحول ليس شعارًا، بل ضرورة لضمان وصول الدعم لمن يحتاجه بالفعل. وفق تصريحات النائب محمد أبو العينين، أحد قيادات التحالف، تم توزيع نحو 20 ألف وجبة في اليوم الأول من رمضان فقط في القاهرة الكبرى، مع استمرار فرق المتطوعين لتغطية باقي المحافظات. هذه الأرقام تمنح انطباعًا بالنجاح، لكنها تخفي تعقيدات يومية على الأرض: تنسيق المئات من المراكز والتعامل مع نقص بعض المواد وضمان وصول كل وجبة لمستحقيها.

بالنسبة لي، رؤية هذه المبادرة تجعلني أدرك أن العمل الخيري أصبح جزءًا من الاقتصاد اليومي للناس، وليس مجرد نشاط رمزي. الفاتورة تقول الحقيقة: المواطن يحتاج إلى رؤية ملموسة للنتائج، لا مجرد بيانات على الورق. إذا أردنا أن يكون اقتصاد التكافل فعّالًا، يجب أن تتحول هذه المبادرات إلى نموذج يعتمد على الشفافية واستمرارية التمويل وآليات دقيقة لتحديد المستفيدين. كل جنيه يمثل جسرًا بين الأزمة والمائدة. وكل وجبة تصل في وقتها خطوة نحو تقليل المعاناة اليومية.

الدعم ليس مجرد رقم، بل هو شريان حياة وشبكة أمان تحمي الأسر من الانهيار. هنا تبرز المعادلة الصعبة: التحدي ليس في توزيع الوجبات فحسب، بل في استمرار هذا العون رغم الغلاء وضمان وصوله إلى من يستحقه فعلياً.

الناس لا تعيش داخل المؤشرات. فالنجاح الحقيقي يُقاس بأثر الدعم على المائدة وجيب المواطن لا بجمال الأرقام. السؤال الآن: هل ننجح في تحويل هذا الجسر المؤسسي إلى نموذج دائم يحمي الضعفاء، أم يظل مسكّناً مؤقتاً؟ التحدي ليس في عدد الوجبات، بل في استدامة أثرها وشجاعتنا في سد الفجوة بين لغة البيانات وواقع المعيشة.

هاني أبو الفتوح

هاني أبو الفتوح

محلل اقتصادي

هاني أبو الفتوح

جميع مقالات الكاتب