من القمح إلى التكنولوجيا.. مصر تبني منظومة أمن غذائي جديدة لمواجهة أزمات العالم

من القمح إلى التكنولوجيا.. مصر تبني منظومة أمن غذائي جديدة لمواجهة أزمات العالم
مشاركة المقال:
حجم الخط:

تتجه مصر إلى مرحلة جديدة في إدارة ملف الأمن الغذائي، تقوم على بناء منظومة متكاملة تربط بين الإنتاج الزراعي والتخزين والنقل والتسويق والتمويل والتكنولوجيا الحديثة، في إطار رؤية تستهدف تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التحديات العالمية وتأمين احتياجات المواطنين من السلع الاستراتيجية بصورة مستدامة.

ويعكس الحراك الحكومي الأخير، من خلال الاجتماعات المكثفة التي جمعت وزارات التموين والزراعة والموارد المائية والري وجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، إلى جانب تعزيز التعاون مع المؤسسات الدولية وفي مقدمتها البنك الدولي، تحولًا نوعيًا في مفهوم الأمن الغذائي، بحيث لم يعد يقتصر على توفير السلع أو زيادة الإنتاج الزراعي فقط، بل أصبح مشروعًا متكاملًا يهدف إلى إدارة منظومة الغذاء بكامل حلقاتها.

ويبرز هذا التوجه في الاجتماع التنسيقي الذي جمع وزيري التموين والزراعة والمدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر، حيث جرى بحث سبل رفع معدلات الإنتاج الزراعي وتحسين منظومة تداول السلع الاستراتيجية ومتابعة توريدات القمح المحلي من المزارعين، إلى جانب تطوير نظم التخزين والنقل ورفع كفاءة التسويق الزراعي، بما يعزز استقرار الأسواق ويضمن توافر السلع الأساسية في مختلف الظروف.

وتشير هذه التحركات إلى أن الدولة تتعامل مع القمح والمحاصيل الاستراتيجية باعتبارها جزءًا من منظومة أوسع تشمل تأمين المخزون الاستراتيجي، وتقليل الفاقد أثناء النقل والتخزين، وتحقيق أعلى كفاءة ممكنة في إدارة الموارد، بما ينعكس على استقرار الأسواق وتلبية احتياجات المواطنين بصورة مستدامة.

وفي الوقت نفسه، كشفت المناقشات التي جمعت وزير الزراعة مع مسؤولي البنك الدولي عن اتساع نطاق الرؤية المصرية للأمن الغذائي لتشمل ملفات المياه والمناخ والتحول الرقمي والتمويل الزراعي، في إطار برنامج تعاون يستهدف تعزيز مرونة القطاع الزراعي ودعم الإنتاج المحلي المستدام للمحاصيل الاستراتيجية وتحسين قدرة الريف المصري على تحقيق التنمية الاقتصادية.

كما استعرض اللقاء عددًا من المبادرات والمشروعات المرتبطة بتحسين المرونة الزراعية وتمكين الإنتاج المحلي للحبوب والتحول الغذائي الزراعي الموائم للمناخ، وهي ملفات باتت تمثل أولوية عالمية في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع الغذاء على المستوى الدولي.

وتؤكد هذه التحركات أن الدولة تعمل على محورين متوازيين؛ الأول يركز على تعظيم الاستفادة من الموارد المحلية وزيادة كفاءة إدارة المخزون الاستراتيجي وسلاسل التوريد، بينما يستهدف المحور الثاني الاستفادة من الخبرات والتمويلات الدولية لتطوير البنية التحتية الزراعية والمائية وتوسيع استخدام التكنولوجيا الحديثة في الإنتاج والتسويق.

كما تعكس مبادرات مثل “القرية المنتجة” وتطوير التعاونيات الزراعية وروابط مستخدمي المياه توجهًا نحو تمكين صغار المزارعين وتحويل القرى إلى وحدات إنتاجية أكثر قدرة على تحقيق القيمة المضافة، بما يرفع مستويات الدخل ويوفر فرص عمل جديدة داخل المجتمعات الريفية، ويعزز مساهمة القطاع الزراعي في النمو الاقتصادي.

وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ظل التحديات العالمية المتزايدة المرتبطة بأمن الغذاء، والتي فرضتها التقلبات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن والنقل والتغيرات المناخية التي أثرت على إنتاج العديد من المحاصيل حول العالم.

ومن ثم باتت قدرة الدول على تأمين احتياجاتها الغذائية تعتمد ليس فقط على حجم الإنتاج، وإنما على امتلاك منظومة متكاملة قادرة على إدارة الموارد بكفاءة وضمان استمرارية الإمدادات في مختلف الظروف.

كما يعكس الاهتمام بتطوير سلاسل القيمة الزراعية والتوسع في أنشطة التصنيع الغذائي والتبريد والتخزين توجهًا نحو تعظيم العائد الاقتصادي من القطاع الزراعي وعدم الاكتفاء ببيع المنتجات في صورتها الخام.

ويسهم هذا التوجه في زيادة القيمة المضافة للمنتجات المصرية ورفع القدرة التنافسية للصادرات الزراعية وخلق فرص استثمارية جديدة تدعم النمو الاقتصادي.

ويمثل التحول الرقمي أحد المحاور الرئيسية في الاستراتيجية الجديدة للأمن الغذائي، حيث تتجه الدولة إلى توظيف التكنولوجيا الحديثة في الإرشاد الزراعي وإدارة الموارد المائية والتسويق الإلكتروني للمنتجات الزراعية وتقديم الخدمات التمويلية والتأمينية للمزارعين، ومن المتوقع أن يؤدي هذا المسار إلى رفع كفاءة الإنتاج وخفض الفاقد وتحسين قدرة المزارعين على الوصول إلى الأسواق والتمويل.

ويرى مراقبون أن ما تشهده مصر حاليًا يمثل انتقالًا من مفهوم الأمن الغذائي التقليدي القائم على توفير السلع فقط، إلى مفهوم أكثر شمولًا يعتمد على بناء سلاسل قيمة متكاملة تشمل الإنتاج والتصنيع والتخزين والتبريد والنقل والتسويق والتمويل والتكنولوجيا، وهو ما يعزز قدرة الدولة على مواجهة التقلبات العالمية والضغوط التي تشهدها أسواق الغذاء الدولية.

وبهذا التوجه، تضع مصر أسس نموذج جديد لإدارة الغذاء يعتمد على التكامل بين مؤسسات الدولة والشراكات الدولية، بما يدعم تحقيق الاكتفاء النسبي من السلع الاستراتيجية ويعزز استدامة التنمية الزراعية والأمن الغذائي خلال السنوات المقبلة، في إطار رؤية تستهدف تحويل القطاع الزراعي إلى أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي والتنمية الشاملة.

مقالات مقترحة

عرض الكل