مقال رأي

هاني أبو الفتوح يكتب: هل تكفي زيادة الأجور أمام موجة الأسعار؟

هاني أبو الفتوح

هاني أبو الفتوح

محلل اقتصادي
هاني أبو الفتوح يكتب:  هل تكفي زيادة الأجور أمام موجة الأسعار؟
مشاركة المقال:
حجم الخط:

الدخل لا يتحسن فعلياً إذا سبقتْه الأسعار إلى جيب المواطن.

رفع الحد الأدنى للأجور إلى 10 آلاف جنيه يبدو للوهلة الأولى استجابة مباشرة لضغط المعيشة. لكن السؤال الحقيقي يتعلق بسرعة تآكلها بعد وصولها إلى السوق. فالتضخم الحضري السنوي صعد إلى 13.4% في فبراير 2026، بعد 11.9% في يناير، بينما ارتفعت أسعار اللحوم والدواجن 9% خلال شهر واحد، وهو ما يكشف أن الضغوط لم تعد مجرد أرقام عامة، انما أصبحت تمس قلب الإنفاق اليومي للأسر.

المشكلة أن المواطن لا ينظر إلى متوسط التضخم في التقارير، بل إلى أسعار السلع الأساسية التي يشتريها كل يوم، وهي ترتفع أسرع من الرقم المعلن. وعندما تصبح السلة الغذائية الأساسية للأسرة بين 4500 و5500 جنيه شهرياً، قبل احتساب الطاقة والنقل وباقي الالتزامات، فإن أي زيادة في الأجر تصطدم سريعًا بارتفاع تكاليف المعيشة. ويزداد الضغط مع وصول سعر بنزين 92 إلى 22.25 جنيهاً، في وقت تتأثر فيه السوق المحلية أيضاً بتكلفة الطاقة العالمية.

لذلك يبقى السؤال الأهم: كم سيبقى من هذه الزيادة بعد موجة الأسعار؟ الزيادة ستخفف الأزمة قليلًا، لكنها لن تعوض تراجع القوة الشرائية بالكامل. فالأسعار، خصوصًا في الغذاء والطاقة، تتحرك بسرعة كبيرة. لذلك يضيع جزء كبير من الزيادة مبكرًا. ثم يبقى السؤال: هل تحسن وضع الأسرة فعلًا، أم أنها فقط أعادت ترتيب أولويات الإنفاق؟

الصورة هنا ليست سلبية بالكامل. فالدولة لديها دعم خارجي واضح من الاحتياطي وتحويلات العاملين بالخارج. لكن هذا الدعم لا يكفي وحده، لأن الأموال الساخنة قد تنسحب عند أول إشارة إلى اضطراب في السوق.

الاحتياطيات المرتفعة تمنح صانع القرار مساحة لامتصاص الصدمات، لكنها لا تحسم معركة الأسعار في السوق المحلية. فالاستقرار الخارجي مهم، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى راحة على المائدة ما لم يمر عبر قنوات إنتاج أقل اعتماداً على الاستيراد وأكثر قدرة على كبح انتقال الضغوط من الدولار والطاقة إلى الغذاء. هذه هي النقطة التي تفسر لماذا تبدو بعض المؤشرات الكلية مطمئنة بينما يظل الشعور المعيشي أكثر توتراً.

أما في سوق العمل، فالأرقام تبدو مطمئنة نسبيًا. فقد تراجع معدل البطالة إلى 6.2% في الربع الرابع من 2025، بعد 6.4% في الربع الثالث. لكن هذا لا يعني أن رفع الحد الأدنى للأجور بلا ثمن. فالمنشآت الصغيرة، في ظل ضغوط التضخم والتمويل، قد تضطر إلى خفض التوظيف أو رفع الأسعار.

هنا تتسع الفجوة بين الرسمي وغير الرسمي. فالعاملون خارج الاقتصاد المنظم لن يستفيدوا تلقائيًا من الأجر الجديد. بينما يتحمل القطاع الرسمي الكلفة كاملة. وهكذا لا يظهر التفاوت في الأجور فقط، بل في الحماية أيضًا. وقد يربح من القرار من هم داخل المنظومة أكثر من الفئات الأضعف خارجها.

رفع الأجور خطوة مطلوبة، لكنها لا تكفي بمفردها. فالعلاج الحقيقي يبدأ بزيادة الإنتاج المحلي، وتقليل اعتماد السوق على الدولار، وتوجيه الاستثمار إلى مصادر مستدامة للنقد الأجنبي. أما خفض الفائدة، فلا يجب أن يسبق تراجع التضخم. لأن التعجل فيه قد يعيد الضغط على الأسعار وسعر الصرف.

زيادة الأجور خطوة اضطرارية، لكنها تظل مسكناً في مواجهة تضخم شرس. القيمة الحقيقية للـ 10 آلاف جنيه لا تكمن في بريق الرقم، لكن في قدرته على الصمود أمام تسونامي الأسعار القادم.

إن لم يتحول الاستقرار الكلّي إلى إنتاج محلي يحمي مائدة المواطن، سنظل ندور في حلقة مفرغة يطارد فيها الأجرُ الأسعارَ دون أن يلحقها. المهم ليس ما يضاف إلى الراتب انما ما يتبقى منه عند باب البيت.

 

 

هاني أبو الفتوح

هاني أبو الفتوح

محلل اقتصادي

جميع مقالات الكاتب