لم تعد مشروعات النقل في مصر مجرد توسع في البنية الأساسية أو تحسين للخدمات العامة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز محاور التحول الاقتصادي في البلاد، فمع تنفيذ آلاف الكيلومترات من الطرق والكباري وتطوير الموانئ وشبكات السكك الحديدية، لم يعد السؤال يدور حول حجم الإنشاءات بقدر ما أصبح يتعلق بجدواها الاقتصادية: هل أصبحت هذه الاستثمارات قاطرة للنمو والإنتاج، أم عبئًا ماليًا يحتاج سنوات طويلة لاسترداد عوائده؟
وتبدو الإجابة عن سؤال نجاح طفرة النقل مركبة وليست حاسمة؛ فقد نجحت الدولة في إنشاء شبكة حديثة خلال وقت قياسي وربطها بالموانئ والمناطق الصناعية، لكن التحدي الحقيقي يبدأ الآن: تحويل هذه الشبكة إلى اقتصاد منتج ومستدام، فالمرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد الطرق التي أُنشئت، بل بعدد المصانع التي تعمل بفضلها، وحجم التجارة التي تمر عبرها، والوظائف التي تخلقها للاقتصاد والمجتمع.
منذ عام 2014، كان قطاع النقل من أكبر القطاعات المستفيدة من الإنفاق العام ضمن خطة الدولة لتحديث البنية التحتية، وتؤكد الحكومة أن هذه الاستثمارات تستهدف تحسين كفاءة الاقتصاد الوطني وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار الصناعي والأجنبي.
وفي أكثر من مناسبة، شدد وزير النقل كامل الوزير على أن تطوير الشبكة القومية للطرق كان ضرورة لخفض تكاليف النقل وتعزيز تنافسية الاقتصاد، مشيرًا إلى أن تحسين البنية اللوجستية يمثل عنصرًا حاسمًا في جذب الاستثمارات الصناعية.
وتنعكس هذه الرؤية في مؤشرات الاقتصاد الكلي؛ إذ أعلنت وزارة التخطيط تسجيل قطاع الصناعات التحويلية نموًا بنحو 16.3% خلال أحد أرباع العام المالي 2024–2025 بعد فترة من الانكماش، وهو ما اعتُبر مؤشرًا على عودة النشاط الإنتاجي.
ويرى خبراء، أن هذا التحسن لا يمكن فصله عن تطور البنية اللوجستية، التي تعد أحد أهم العوامل المؤثرة في تكلفة الإنتاج والتصدير.
وفي الموانئ، تتجه الدولة نحو دور يتجاوز العبور التقليدي للتجارة عبر قناة السويس، إلى بناء مركز لوجستي إقليمي يضيف قيمة اقتصادية حقيقية. ويظهر هذا التوجه في مشروعات الطاقة النظيفة المرتبطة بالموانئ، مثل مشروع إنتاج الهيدروجين الأخضر في منطقة رأس شقير باستثمارات تُقدَّر بنحو 7 مليارات يورو، ويستهدف إنتاج مليون طن سنويًا.
ولا يمثل المشروع استثمارًا طاقيًا فقط، بل يخلق طلبًا متزايدًا على خدمات النقل البحري واللوجستي ويعزز تحول الموانئ إلى مراكز صناعية متكاملة.
ولم يعد العائد الاقتصادي لقطاع النقل مقتصرًا على الرسوم التقليدية، إذ تحولت البنية التحتية إلى أصل اقتصادي يولد مصادر دخل متعددة، من بينها الإعلانات الخارجية، فقد بلغت عائدات الإعلانات على الطرق نحو 6.3 مليار جنيه خلال عام 2024، ذهب معظمها إلى هيئات النقل.
ورغم ذلك، أثار انتشار الشاشات الإعلانية تساؤلات اجتماعية بعد شكاوى سائقين من تأثيرها على الرؤية، ما دفع الحكومة إلى بحث تنظيمها حفاظًا على السلامة المرورية، في مؤشر على تداخل البعد الاقتصادي مع الاعتبارات الإنسانية في إدارة المجال العام.
ورغم المكاسب الواضحة، تواجه طفرة النقل تحديًا ماليًا يتمثل في طول الفترة اللازمة لتحقيق عائد مباشر من المشروعات الكبرى، مقابل استمرار تكاليف التمويل والصيانة.
ويتزامن ذلك مع ضغوط خارجية أثرت على بعض مصادر الدخل المرتبطة بالنقل، مثل تراجع إيرادات قناة السويس في بعض الفترات نتيجة اضطرابات التجارة العالمية، حيث سجل أحد الأرباع نحو 900 مليون دولار مقارنة بـ1.1 مليار دولار قبل عام، ما يعكس حساسية القطاع للتقلبات الدولية وأهمية تنويع مصادر الإيرادات.
وعلى امتداد الطرق الجديدة، بدأت ملامح نشاط اقتصادي مختلف في الظهور؛ محطات وقود ومناطق لوجستية ومصانع صغيرة تنتشر في المحافظات.
ويؤكد سائقو الشاحنات أن انخفاض زمن الرحلات زاد عدد النقلات اليومية ورفع دخولهم، بينما يشير مستثمرون في المدن الصناعية إلى أن استقرار زمن الشحن كان عاملًا حاسمًا في اختيار مواقع مصانعهم.







