حواديت رمضانية ..”طبق الجيران”… حين كان الطعام رسالة محبة

حواديت رمضانية ..”طبق الجيران”… حين كان الطعام رسالة محبة

افطار رمضان

مشاركة المقال:
حجم الخط:

لم يكن طبق الجيران مجرد وعاء طعام ينتقل من بيت إلى آخر، بل كان طقسًا اجتماعيًا يوميًا يُجدد معنى الجيرة في رمضان. مع أول أيام الشهر الكريم، تبدأ الأطباق في الحركة بصمت، تحملها الأيدي الصغيرة أحيانًا، أو تمر بها الأمهات على عتبات البيوت، دون دعوات رسمية أو ترتيبات مسبقة. كل أسرة ترسل جزءًا مما أعدّته، لا لتُظهر مهارة أو وفرة، بل لتقول ببساطة: “نحن معكم”.

أول جمعة في رمضان.. نفحات مباركة وساعات تُرجى فيها الاستجابة

الجميل في هذه العادة أن قيمتها لم تكن في نوع الطعام، بل في فكرة المشاركة نفسها. قد يكون الطبق ملوخية، أو محشيًا، أو قطعة قطايف، لكن معناه أكبر من مكوناته. الطبق يدخل بيتًا آخر، فيعود محمّلًا بصنف مختلف، لأن هناك عرفًا غير مكتوب يحكم المشهد: لا يعود الطبق فارغًا أبدًا. وهكذا تدور الأطباق، ويدور معها الإحساس بالألفة، حتى يصبح الإفطار حدثًا يتجاوز حدود كل بيت ليشمل الشارع بأكمله.

نشأت هذه العادة طبيعيًا في الأحياء المتلاصقة، حيث كانت البيوت متجاورة والأبواب مفتوحة، وكانت الجيرة علاقة حياة يومية، لا مجرد سكن مشترك. في تلك المساحات الضيقة، وُلدت شبكة اجتماعية قوية، غذّاها الطعام والاحترام المتبادل. كان طبق الجيران يختصر مسافات، ويحل سوء الفهم، ويُعيد الدفء إلى العلاقات.

ومع تغيّر نمط السكن، وظهور العمارات المغلقة والمجتمعات السكنية الحديثة، تراجع حضور هذا التقليد في بعض الأماكن. أصبحت العلاقات أكثر خصوصية، وأقل احتكاكًا يوميًا. لكن رغم ذلك، لا يزال طبق الجيران حاضرًا في كثير من الأحياء الشعبية، وفي ذاكرة أجيال كاملة، باعتباره رمزًا لرمضان المصري الأصيل.

في زمن السرعة، يذكّرنا طبق الجيران بأن أبسط العادات قد تكون الأعمق أثرًا. فحين كان الطعام ينتقل بين البيوت، لم يكن ينقل نكهة فقط، بل كان ينقل طمأنينة، وانتماء، وشعورًا بأن رمضان لا يُعاش منفردًا، بل يُتقاسم… كما يُتقاسم الخبز على المائدة

مقالات مقترحة

عرض الكل