في البيوت المصرية القديمة، لم تكن الطبلية مجرد قطعة خشب مستديرة تُوضع في منتصف الغرفة، بل كانت مركز الحياة اليومية، وقلب البيت النابض.
ومع دخول شهر رمضان، كانت الطبلية تتحول إلى مشهد يومي له طقوسه الخاصة، تبدأ قبل أذان المغرب بساعات، وتنتهي بابتسامة رضا بعد آخر لقمة.
قبل الإفطار بقليل، كانت الأم تفرش السفرة البسيطة فوق الطبلية، وتضع الأطباق في ترتيب معلوم: طبق الشوربة أولًا، ثم الخضار، واللحمة أو الفراخ، وإلى جوارهم طبق السلطة والمخلل، وكوب المياه الباردة في انتظار الأذان. لم تكن الأطباق كثيرة دائمًا، لكن البركة كانت حاضرة، والنية الصافية تصنع من القليل وليمة.
كان الجميع يجلس على الأرض في دائرة كاملة، لا رأس لها ولا نهاية. الكبير إلى جوار الصغير، والأب بجوار أبنائه دون فواصل أو مقاعد مرتفعة. هذه الدائرة الصغيرة كانت تُسقط كل الفروق، وتجعل المشاركة هي الأساس. اليد تمتد لتناول الخبز، والطبق يدور بين الجميع في بساطة. لم يكن أحد يأكل وحده، ولم يكن هناك هاتف يشغل العيون عن الوجوه.
لحظة انتظار الأذان كانت طقسًا قائمًا بذاته. الصمت يخيّم لثوانٍ، والعيون تتجه نحو الساعة أو الراديو. وما إن يُرفع الأذان حتى تبدأ الهمسات: “بسم الله”. التمر يُمرر من يد إلى يد، وكوب الماء يُرفع في انسجام جماعي، وكأن البيت كله يتنفس في توقيت واحد.
الطبلية لم تكن تجمع الأجساد فقط، بل كانت تجمع الحكايات. بعد الإفطار، تبدأ الأحاديث: كيف كان يومك؟ ماذا حدث في العمل؟ من فاز في مباراة العصر؟ كانت مساحة للحوار اليومي، لتبادل الأخبار، ولمناقشة خطط العيد. هناك، على أرض بسيطة، تشكلت ذكريات لا تُنسى.
ومع تغيّر شكل البيوت وظهور موائد الطعام الحديثة، اختفت الطبلية من كثير من المنازل، لكنها لم تختفِ من الذاكرة. بقيت رمزًا لرمضان الذي كان أقرب، وأهدأ، وأصدق. كانت تعلمنا أن قيمة المائدة ليست في حجمها، بل فيمن يجلسون حولها.
طبلية العيلة في رمضان لم تكن مجرد وسيلة لتناول الطعام، بل كانت دائرة حب، لا تعرف المسافات، ولا تعترف بالفروق. دائرة صغيرة… صنعت أجمل ذكريات الشهر الكريم.

