أدت التقلبات الحادة التي شهدتها أسعار الذهب محليًا وعالميًا خلال الأسابيع الماضية إلى إعادة تشكيل مشهد سوق الذهب في مصر، مع تصاعد غير مسبوق في الطلب على السبائك والعملات الذهبية، وظهور ظاهرة «قوائم الانتظار» والحجوزات المسبقة، التي تحولت بدورها إلى محور خلاف بين التجار والمشترين، في ظل فجوة متزايدة بين حجم الطلب والطاقة الإنتاجية المتاحة.
وخلال الفترة الأخيرة، لجأ عدد كبير من تجار الذهب إلى تطبيق نظام الحجز المسبق على السبائك والجنيهات الذهبية، عبر تسجيل أسماء العملاء وسداد مبالغ مالية جزئية أو كاملة، وفق أسعار يوم التعاقد، وذلك في ظل ارتفاعات سعرية متتالية وزيادة الطلب مقابل تراجع المعروض.
غير أن هذا المشهد لم يستمر طويلًا على وتيرته نفسها، إذ سرعان ما شهدت الأسعار تراجعات حادة، ما دفع بعض العملاء الذين حجزوا الذهب عند مستويات مرتفعة إلى المطالبة بالتراجع عن الشراء أو استرداد أموالهم، وهو ما قوبل برفض من جانب عدد من التجار، بحسب ما ذكره متعاملون في سوق الذهب لـ«البورصجية».
ويتمحور الخلاف الأساسي حول مبدأ الالتزام بالسعر وقت الحجز. فالمشترون يرون أن عدم استلام الذهب فعليًا يمنحهم الحق في العدول عن الشراء، لا سيما مع تراجع الأسعار، في حين يتمسك التجار بأن الحجز تم باتفاقات واضحة وموثقة، وأن السعر المثبت وقت التعاقد ملزم للطرفين، صعودًا أو هبوطًا.
بيانات الطلب تعكس حجم التحول في السوق؛ إذ بلغت مشتريات المصريين من الذهب 45.1 طن خلال عام 2025، متراجعة بنحو 10% مقارنة بعام 2024، إلا أن الربع الأخير من العام نفسه شهد زيادة بنسبة 4% على أساس سنوي، مدفوعة بقفزة قوية في مشتريات السبائك والعملات الذهبية بلغت 27%، وفق تقرير صادر عن مؤسسة «جولد بيليون». ويعكس هذا التباين تغيرًا واضحًا في نمط الطلب، مع تراجع الإقبال على المشغولات الذهبية مقابل تنامي الطلب على أدوات الادخار والاستثمار.
وارتفع سعر جرام الذهب عيار 21، الأكثر تداولًا في مصر، بنحو 27% خلال يناير، بما يعادل زيادة قدرها 1600 جنيه، ليبلغ 7500 جنيه، قبل أن يعاود التراجع إلى مستويات قرب 6670 جنيهًا.
وأكد سيد زكريا، أمين اللجنة النقابية لصياغ مصر، وجود نقص حاد في السبائك الذهبية بالسوق المحلية، موضحًا أن تسليم السبائك يتم حاليًا من خلال نظام الحجز المسبق، بمتوسط فترات تسليم تتراوح بين 10 و15 يومًا من تاريخ التعاقد. وأشار إلى أن الحجز يتم بسعر يوم التعاقد، بينما يتم شراء الذهب في اليوم نفسه والتسليم لاحقًا، لافتًا إلى أن السبب الرئيسي وراء تأخر التسليم يتمثل في زيادة الطلب بصورة تفوق القدرات الإنتاجية الحالية للمصانع.
وأوضح زكريا أن مصانع إنتاج السبائك تعمل بأقصى طاقتها خلال الفترة الراهنة، لكنها لا تزال عاجزة عن تلبية الطلب المتصاعد، خاصة بعد اتجاه عدد كبير من المواطنين إلى تحويل مدخراتهم النقدية إلى ذهب، عقب فك الشهادات الادخارية وسحب السيولة من البنوك.
وقال نادي نجيب، السكرتير العام السابق لشعبة الذهب، إن سوق السبائك في مصر يشهد ضغوطًا متزايدة على جانب المعروض نتيجة الارتفاع الكبير في الطلب خلال الأسابيع الماضية، ما انعكس في إطالة فترات تسليم السبائك لدى أغلب الشركات. وأوضح أن بعض الشركات كانت تسلم الطلبات خلال نحو 15 يومًا في السابق، إلا أن مدد التسليم ارتفعت حاليًا لتتراوح بين 15 و20 يومًا، وقد تمتد لفترات أطول وفقًا لقدرات كل شركة.
وأشار نجيب إلى أن جميع الشركات المنتجة للسبائك تعاني من محدودية الإنتاج مقارنة بحجم الطلب، مؤكدًا أن جوهر الأزمة يرتبط بتغير سلوك المستهلكين واتجاههم المكثف نحو شراء السبائك والجنيهات الذهبية، مقابل تراجع واضح في الإقبال على المشغولات. وأضاف أن اضطراب الأسعار وسرعة تحركاتها يدفع بعض الشركات إلى توخي الحذر في التوسع بالإنتاج، والاكتفاء بكميات محدودة تتناسب مع ظروف السوق.
وقال سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة «آي صاغة» لتداول الذهب، إن حجم الطلب على الذهب حاليًا يفوق الطاقة الإنتاجية للشركات والمصانع العاملة في القطاع، مشيرًا إلى أن أغلب الطلب يتركز في السبائك والجنيهات الذهبية، بينما تراجع الإقبال على المشغولات بشكل ملحوظ. وأوضح أن تكدس الطلب دفع بعض المصانع إلى تأجيل مواعيد التسليم، لتصل فترات الانتظار في بعض الحالات إلى ثلاثة أسابيع أو شهر.
وأكد إيهاب واصف، رئيس شعبة الذهب والمعادن الثمينة باتحاد الصناعات المصرية، أن بعض الشركات تواجه ضغوطًا كبيرة نتيجة الطلب المرتفع، ما أدى إلى ظهور قوائم انتظار لتسليم الحجوزات، خاصة لدى العلامات التجارية المعروفة التي تحظى بثقة شريحة واسعة من المستهلكين.
