أطلق البنك المركزي المصري، رسميًا، خدمة قبول المدفوعات الإلكترونية اللاتلامسية عبر الأجهزة الذكية، في خطوة تعتبر محطة مهمة في مسار التحول الرقمي للاقتصاد الوطني وتعزيز الشمول المالي.
وتتيح الخدمة، التي تعتمد على تقنية الاتصال قريب المدى (NFC)، للتجار تحويل أي هاتف ذكي أو جهاز لوحي إلى نقطة بيع إلكترونية، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة والباعة المتجولين للاندماج في المنظومة المالية الرسمية، دون الحاجة للاستثمار في أجهزة نقاط البيع التقليدية المكلفة.
تأتي هذه الخطوة في إطار رؤية مصر 2030 لتطوير الاقتصاد الرقمي، وتقليل الاعتماد على النقد، وتوفير حلول دفع أكثر أمانًا وسلاسة، بما يعكس التزام البنك المركزي بدعم التجارة الإلكترونية والمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر. وحسب تصريحات محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبدالله، فإن الخدمة الجديدة تعكس استمرار جهود البنك في تهيئة البنية التحتية للنظام المالي الرقمي وتيسير المعاملات المالية على المواطنين والتجار، مؤكداً أن الهدف الأسمى هو تعزيز الشمول المالي وإتاحة الخدمات المالية الإلكترونية في أي وقت ومن أي مكان.
وشهدت الفترة السابقة تجربة تجريبية للخدمة استمرت نحو عامين، حيث تم تطبيقها على نطاق محدود وحد أقصى للمعاملات عند 600 جنيه، بهدف اختبار الجاهزية التقنية وضمان السلامة والأمان الماليين. ومع الإطلاق الرسمي، أصبح بإمكان التجار قبول المدفوعات دون قيود، وهو ما يعكس استعداد السوق لاعتماد الدفع الإلكتروني على نطاق أوسع، خصوصًا بين المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني.
الأرقام الرسمية تعكس أهمية هذه الخدمة على الاقتصاد فقد بلغ عدد أجهزة نقاط البيع التقليدية في مصر نحو 1.6 مليون جهاز خلال العام الماضي، وهو ما يشير إلى وجود قاعدة قوية من التجار المستعدين لاعتماد الحلول الرقمية.
وتُظهر بيانات البنك المركزي أن عدد المحافظ الإلكترونية المالية تجاوز 20 مليون محفظة، مع زيادة ملحوظة في قيمة وعدد المعاملات المنفذة، ما يعكس استعداد المستهلكين للتفاعل مع منظومة الدفع غير النقدية.
إلى جانب ذلك، سجلت حصيلة ضريبة التجارة الإلكترونية نموًا هائلًا وصل إلى 670% منذ بدء تطبيقها في يونيو 2023، وهو مؤشر على اتساع النشاط الرقمي في البلاد وتشجيع الشركات الرقمية على توفيق أوضاعها والاستفادة من التيسيرات الضريبية المقدمة.
ويمثل إطلاق خدمة قبول المدفوعات اللاتلامسية عبر الأجهزة الذكية Soft POS يمثل خطوة استراتيجية نوعية لدعم التحول الرقمي في مصر، وتحفيز التجارة الإلكترونية، وتعزيز الشمول المالي، ودمج المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد الرسمي وهي مبادرة تؤكد على القدرة المؤسسية للبنك المركزي المصري في تطوير البنية التحتية المالية الرقمية، وتحقيق التوازن بين الابتكار المالي وحماية المستهلك وتعزيز الشفافية.
ويؤكد الخبراء الاقتصاديون أن الخدمة الجديدة ليست مجرد تحديث تقني، بل تمثل دفعة حقيقية للاقتصاد الرقمي، يقول الخبير الاقتصادي باهر عبدالعزيز، إن إطلاق Soft POS يمثل محطة مفصلية في سياق التحول الرقمي الذي تشهده مصر، موضحًا أن السماح للأجهزة الذكية بأن تكون نقاط قبول إلكترونية سيساعد على دمج المزيد من الشركات الصغيرة والمتوسطة في القطاع الرسمي، وزيادة قاعدة الضرائب وتحسين الشفافية المالية.
ويضيف عبدالعزيز، خفض التكاليف التشغيلية ورفع كفاءة نظم الدفع سيساهم في زيادة الإنتاجية، ويتيح للتجار إعادة توجيه مواردهم نحو التوسع وزيادة المبيعات بدلًا من إدارة النقد.
وأكد الخبير الاقتصادي أسلم عصام، أن الخدمة الجديدة تُعد جسرًا فعالًا لدمج الفئات المهمشة في الاقتصاد الرسمي. ويقول عصام، الخدمات الرقمية مثل Soft POS ستسمح للباعة المتجولين وأصحاب المشاريع الصغيرة جدًا بالانخراط في النظام المالي الرسمي، ما يعزز قدرتهم الشرائية ويرفع مستوى الشفافية المالية، وهو أمر بالغ الأهمية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.
وأضاف أن التوسع في الدفع الرقمي يوفر للشركات الصغيرة سجلًا ماليًا يمكن الاعتماد عليه للحصول على التمويل، وبالتالي دعم النمو والاستثمار في الاقتصاد الوطني.
تُصمم خدمة Soft POS لتكون سهلة الاستخدام وآمنة، حيث يقوم التاجر بتنزيل تطبيق معتمد على هاتفه الذكي أو جهازه اللوحي، وتوصيله بالإنترنت، ليتمكن من قبول المدفوعات عبر البطاقات اللاتلامسية أو إدخال الرقم السري للمعاملات الأكبر قيمة بطريقة آمنة.
وتساهم هذه الخدمة في تقليل التكلفة التشغيلية مقارنة بنقاط البيع التقليدية، كما تعزز تجربة العملاء من خلال توفير وسيلة دفع سريعة ومرنة وآمنة، وهو ما يرفع مستوى رضاهم ويحفزهم على التعامل الرقمي بشكل أكبر.
وتشير التقديرات إلى أن تبني هذه الخدمة على نطاق واسع سيؤدي إلى تأثيرات اقتصادية ملموسة، أبرزها زيادة عدد نقاط الدفع الإلكتروني في جميع أنحاء البلاد، وتشجيع المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر على تبني التجارة الرقمية، وتقليل الاعتماد على النقد، وتحسين تجربة المستهلك.
ويعكس إطلاق Soft POS اهتمام البنك المركزي المصري بالابتكار المالي وتطوير البنية التحتية الرقمية بما يجعل مصر أكثر تنافسية على مستوى المنطقة فيما يتعلق بالدفع الإلكتروني.
كما تُبرز هذه الخدمة استمرار جهود البنك المركزي في دعم الاقتصاد الوطني من خلال تطوير حلول مبتكرة للشمول المالي، وتعزيز دمج المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوفير بيئة ملائمة للابتكار المالي.
ومن خلال هذه المبادرة، يعكس البنك المركزي التزامه بأن تكون مصر نموذجًا رائدًا في المنطقة في مجال المدفوعات الرقمية، وتحقيق الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي المستدام.
على الصعيد الإقليمي، تُعد مصر من الأسواق الواعدة في مجال المدفوعات الرقمية، نظرًا لارتفاع انتشار الهواتف الذكية والإنترنت المحمول ويجعل اعتماد Soft POS مصر من بين الدول الرائدة التي تمكن الهاتف الذكي من أداء دور متكامل كنقطة بيع، بما يتماشى مع التجارب العالمية في دول مثل الهند وتركيا والبرازيل، حيث أصبح الهاتف الذكي بديلاً عمليًا لنقاط البيع التقليدية للشركات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما يعزز القدرة التنافسية للقطاع المالي المصري على المستوى الإقليمي.






