في توقيت يتسم بحساسية بالغة للأسواق المحلية، ووسط ضغوط تضخمية وتراجع القدرة الشرائية، فجّر قرار الحكومة المصرية بإنهاء الإعفاء الاستثنائي للهواتف المحمولة الواردة من الخارج بصحبة الركاب موجة واسعة من الجدل، امتدت من البرلمان إلى غرف التجارة، ومن المصريين بالخارج إلى مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، لتتحول خطوة قيل إنها تستهدف دعم التصنيع المحلي إلى ملف عام تتقاطع فيه اعتبارات الصناعة، والعملة الصعبة، والعدالة الضريبية، وسهولة التطبيق على أرض الواقع.
القرار، الذي أعلنته مصلحة الجمارك بالتنسيق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، أنهى رسميًا العمل بفترة السماح التي كانت تتيح إدخال هاتف محمول للاستخدام الشخصي دون رسوم أو ضرائب، وهو ما اعتبرته الحكومة جزءًا من منظومة «حوكمة الهواتف المحمولة»، الهادفة إلى ضبط السوق ومواجهة التهريب، إلى جانب دعم استراتيجية توطين صناعة الإلكترونيات، وعلى رأسها الهواتف الذكية.
ووفق البيانات الحكومية، فإن القرار يأتي بعد نجاح الدولة في جذب نحو 15 شركة عالمية لتصنيع الهواتف المحمولة داخل مصر، بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 مليون وحدة سنويًا، بما يغطي احتياجات السوق المحلي ويفتح الباب أمام التصدير، في إطار خطة أوسع لخفض فاتورة الاستيراد وتعميق التصنيع المحلي.
انتقادات برلمانية
غير أن هذه المبررات لم تكن كافية لاحتواء الانتقادات البرلمانية، التي تصاعدت خلال الأيام الأخيرة، مع تقدم عدد من النواب بطلبات إحاطة واقتراحات برغبة، لمناقشة آليات تطبيق القرار، ومدى انعكاسه على المواطنين، خصوصًا المصريين المقيمين بالخارج، الذين يُقدّر عددهم بأكثر من 11 مليون مصري، ويُعدّون أحد أهم مصادر العملة الصعبة عبر تحويلاتهم السنوية.
وفي هذا السياق، طالب عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب المصريين الأحرار، عصام خليل، باستثناء المصريين المقيمين بالخارج وأسرهم من الضرائب والرسوم المفروضة على الهواتف المحمولة الواردة من الخارج، معتبرًا أن منحهم معاملة تفضيلية يمثل تقديرًا مستحقًا لدورهم الوطني والاقتصادي.
وقال خليل، في تصريحات صحفية، إن اقتراحه لا يتعلق بالاستخدام المؤقت للهاتف خلال فترة زيارة لا تتجاوز 90 يومًا، وهي المدة التي أقرتها الحكومة لكل من المصريين بالخارج والسائحين الأجانب على السواء، وإنما بحق المغترب في إدخال هاتف كهدية لأسرته من الدرجة الأولى، دون أعباء مالية إضافية، مشيرًا إلى أن المساواة بين المصري المقيم بالخارج والسائح الأجنبي في هذا الإطار لا تعكس خصوصية وضع الأول ولا حجم مساهمته في دعم الاقتصاد.
وأكد رئيس حزب المصريين الأحرار دعمه الكامل لتوطين صناعة الهواتف المحمولة في مصر، لكنه شدد على أن الحماية لا يجب أن تتحول إلى منع أو فرض أعباء غير مباشرة على المستهلك، محذرًا من أن الرسوم المرتفعة قد تؤدي عمليًا إلى زيادة الأسعار، بما يتعارض مع الهدف المعلن لتوطين الصناعة، خاصة في ظل تبني حزبه لسياسات السوق المفتوح والمنافسة كأداة لضبط الأسعار.
موقف مشابه عبّر عنه فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي، الذي تقدم بطلب إحاطة موجّه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزراء المالية والاتصالات، لمناقشة تطبيق منظومة حوكمة الهاتف المحمول داخل لجنة الاتصالات بالبرلمان.
وقال البياضي إن الآلية الحالية «لا تحقق الهدف المعلن بحماية الصناعة الوطنية»، بقدر ما تفرض أعباء مالية إضافية على المواطنين، موضحًا أن تحميل المسافرين القادمين من الخارج رسومًا قد تصل إلى نحو 38% من قيمة الهاتف يُعد عبئًا غير مبرر، خاصة بالنسبة للمصريين المقيمين بالخارج الذين يترددون على البلاد بشكل دوري.
وأشار نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي إلى أن دعم الصناعة المحلية لا ينبغي أن يكون عبر فرض رسوم على الهواتف المخصصة للاستخدام الشخصي، وإنما من خلال تقديم حوافز حقيقية للمصنّعين، وعلى رأسها خفض أو إعفاء مكونات الإنتاج من الرسوم الجمركية، بما يساهم في خفض تكلفة التصنيع والوصول إلى أسعار تنافسية تشجع المستهلك على شراء المنتج المحلي طوعًا.
حلول مقترحة
وفي خضم هذا الجدل، دخلت شعبة الاتصالات والمحمول بالغرفة التجارية بالقاهرة على خط الأزمة، مطلقة مقترحًا من ثلاثة بنود يستهدف خفض أسعار الهواتف الذكية في السوق المصرية، التي شهدت ارتفاعًا يصل إلى 20% خلال الفترة الأخيرة، نتيجة زيادة أسعار بعض المكونات، وعلى رأسها شرائح الذاكرة.
وأوضح وليد رمضان، نائب رئيس الشعبة، أن المقترح يبدأ بإلغاء الضرائب والرسوم المفروضة على مستلزمات إنتاج مصانع المحمول، بما يتيح خفض أسعار الهواتف المصنعة محليًا وفتح أسواق تصديرية واسعة أمامها، مستفيدة من اتفاقيات التجارة الحرة التي وقّعتها مصر، مثل «الكوميسا» و«أغادير» والاتفاقية الأوروبية والميركوسور، بما يتيح للمنتج المصري النفاذ إلى أسواق يتجاوز قوامها ملياري مستهلك.
ويتضمن المقترح بندًا ثانيًا يسمح بإعفاء محدود للهواتف المستوردة، عبر السماح لكل مسافر بإدخال هاتفين كل سنتين، بشرط ربط الجهاز بالرقم القومي ورقم الهاتف الخاص بالمسافر أو أحد أقاربه من الدرجة الأولى، مع حظر بيعه لمدة عام، وهو ما ترى الشعبة أنه يحد من المتاجرة ويضمن الاستخدام الشخصي.
أما البند الثالث، فيدعو إلى تشكيل لجنة عليا لمراقبة الأسعار، برئاسة رئيس مجلس الوزراء، وعضوية شعبة الاتصالات، ولجنة الاتصالات بالبرلمان، وجهاز حماية المستهلك، وجهاز حماية المنافسة، لضمان عدم استغلال القرارات الجديدة في رفع الأسعار دون مبرر.
في موازاة ذلك، طرحت المهندسة آمال عبدالحميد، عضو مجلس النواب، مقترحًا مختلفًا يربط الإعفاءات الجمركية والضريبية للهواتف المحمولة بحجم التحويلات النقدية الرسمية للمصريين بالخارج، في محاولة للجمع بين تخفيف الأعباء عن المغتربين ودعم الاحتياطي النقدي الأجنبي.
واقترحت النائبة إعفاء المصريين المقيمين بالخارج وأسرهم من الرسوم المفروضة على الهواتف الشخصية، شريطة تقديم مستند يثبت تحويل ما لا يقل عن 5 آلاف دولار سنويًا عبر القنوات المصرفية الرسمية، معتبرة أن هذا الإجراء يمثل «استثمارًا وطنيًا» يشجع على التحويل عبر القنوات الشرعية، ويوفر سيولة دولارية فورية للدولة.
وبحسب تقديرات النائبة، فإن تطبيق هذا المقترح على شريحة محدودة من نحو 14 مليون مصري بالخارج قد يفضي إلى تدفقات تتجاوز 50 مليار دولار، بما يساهم في سداد الالتزامات الدولية واستيراد السلع الاستراتيجية، فضلًا عن توجيه رسالة تقدير عملية للمغتربين.
زيادات غير منطقية
على جانب آخر من النقاش، سلط النائب إيهاب منصور، عضو مجلس النواب، الضوء على مشكلات التطبيق العملي للقرار، معتبرًا أن أزمة الهواتف المحمولة تعكس نمطًا متكررًا لصدور قرارات دون دراسة كافية للأثر التشريعي.
وأشار منصور إلى استمرار أزمة شرائح الهواتف، خاصة الأجهزة ثنائية الشريحة، التي تُفرض عليها ضرائب على إحدى الشرائح دون الأخرى، رغم أن الهاتف جهاز واحد، لافتًا إلى تلقيه شكاوى بشأن فرض رسوم على الهواتف التي تم شراؤها منذ سنوات، لمجرد أن إحدى الشرائح لم تُستخدم من قبل.
وانتقد النائب ما وصفه بعدم منطقية التقديرات المعتمدة لاحتساب الضريبة، حيث تُفرض الرسوم أحيانًا على قيمة أعلى من السعر الفعلي للهاتف في السوق، متسائلًا عما إذا كانت الضريبة تُفرض على الجهاز أم على الشريحة، ومعتبرًا أن ما يحدث يفتقر إلى العدالة ويحمّل المواطنين أعباء غير مبررة.
ومع استمرار الجدل، يبقى ملف إعفاء الهواتف المحمولة نموذجًا لتحدي تحقيق التوازن بين تشجيع التصنيع المحلي، وضبط السوق، ومراعاة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، خاصة ما يتعلق بالمصريين بالخارج، في انتظار ما ستسفر عنه مناقشات البرلمان، وإمكانية إدخال تعديلات أو استثناءات تضمن تحقيق الأهداف المعلنة دون كلفة مجتمعية مرتفعة.







