
سجل معدل التضخم الأساسي في مصر تراجعًا إلى 11.8% على أساس سنوي خلال ديسمبر 2025، مقارنة بـ 12.5% في نوفمبر، وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري، وهو تطور يعكس تحسنًا نسبيًا في المؤشرات السعرية بعد فترة طويلة من الضغوط التضخمية المرتفعة.
ويثير هذا التراجع تساؤلات مهمة حول مدى استدامة المسار النزولي للتضخم خلال عام 2026، ومدى اقترابه من المستهدفات التي حددتها السياسة النقدية، في ظل تداخل عوامل متعددة تشمل تطورات سعر الصرف، وحركة التدفقات الدولارية، واتجاهات السياسة النقدية والمالية، فضلًا عن المتغيرات الخارجية المرتبطة بالأسواق العالمية.
وبينما تشير بعض المؤشرات إلى تحسن تدريجي في بيئة الأسعار، يرى خبراء أن قراءة أرقام التضخم تحتاج إلى تحليل أعمق يوازن بين نجاح السياسات النقدية من جهة، والتحديات الهيكلية التي لا تزال تؤثر على جانب العرض والتكاليف من جهة أخرى.
ويرى هاني أبو الفتوح، الخبير المصرفي، أن تراجع التضخم الأساسي إلى مستويات 11.8% لا يمكن قراءته بمعزل عن تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي بنسبة 10.6%، معتبرًا أن هذا الهبوط يعكس مزيجًا بين نجاح نسبي في تقييد المعروض النقدي، وإشارة مبكرة للدخول في حالة ركود تضخمي، حيث أصبح التراجع الحاد في الطلب الاستهلاكي هو المحرك الرئيسي لتباطؤ نمو الأسعار وليس بالضرورة زيادة المعروض السلعي.
ويشير أبو الفتوح إلى أن قفزة مؤشر أسعار المنتجين (PPI) بنسبة 12.9% تمثل إنذارًا مبكرًا يؤكد أن الغلاء يشتعل حاليًا داخل المصانع نتيجة تكلفة الطاقة والمدخلات المستوردة قبل أن يصل أثره إلى المستهلك النهائي.
ويرى أبوالفتوح أن أداة سعر الفائدة فقدت جزءًا من فعاليتها، لأن الأزمة الحقيقية تكمن في خلل الميزان التجاري، حيث لا تزال مصر تستورد أكثر مما تصدر بفجوة تبلغ نحو 3.2 مليار دولار، وهو ما يمثل التهديد الحقيقي لقيمة الجنيه، ويجعل أي تحسن في الأرقام الرسمية تحسنًا مؤقتًا لا ينعكس بالكامل على الحياة اليومية للمواطن.
كما يؤكد أن تماثل أرقام الشهر الحالي مع العام الماضي لا يعني انتهاء الأزمة، بل يمثل استراحة قصيرة، خاصة مع وجود عجز في موازنة الدولة بنسبة 3.2%، ما قد يدفع الحكومة إلى رفع أسعار الخدمات والكهرباء والوقود لتقليص العجز، وهو ما يشير إلى احتمالات موجة غلاء جديدة خلال الربع الثاني من عام 2026.
وحذر أبو الفتوح من أن الاستقرار الحالي قد يسبق موجة تصحيحية في أسعار الطاقة والخدمات خلال ربيع 2026، ما يتطلب التحول من الحلول النقدية المؤقتة إلى إصلاحات هيكلية داعمة للإنتاج الحقيقي.
ويرى الدكتور عطا عيد عطا، مدرس التمويل والاستثمار بالجامعة المصرية الصينية، أن تراجع التضخم السنوي إلى 11.8% في ديسمبر 2025 يمثل انخفاضًا واضحًا مقارنة بالذروة التي تجاوزت 30% في بعض فترات عام 2023، والتي جاءت نتيجة تداعيات الإصلاحات الاقتصادية وتخفيض قيمة الجنيه وارتفاع أسعار السلع الأساسية عالميًا.
ويعود هذا التراجع إلى عدة عوامل، في مقدمتها استقرار سعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية بعد مرحلة من التقلبات الحادة، ما خفّف من الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الواردات، إلى جانب نجاح البنك المركزي في تبني سياسة نقدية تقييدية عبر رفع أسعار الفائدة بشكل متكرر، وهو ما ساهم في كبح الطلب الكلي وامتصاص فائض السيولة.
كما يشير إلى أن التطورات الإيجابية في الأسواق العالمية، خاصة تراجع أسعار السلع الغذائية والطاقة مقارنة بذروتها في عام 2022، ساهمت في تخفيف ضغوط التضخم المستورد، وهو أحد المكونات الرئيسية في سلة المستهلك المصري.
وحذر د.عطا من أن استمرار هذا الانخفاض خلال عام 2026 ليس مضمونًا، في ظل تعرض الاقتصاد المصري لعدد من المخاطر، على رأسها التقلبات المحتملة في أسواق الطاقة العالمية، وتصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، فضلًا عن أي تأخير في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية مثل ترشيد الدعم وتعزيز الشفافية المالية.
وترى الدكتورة الخبيرة المصرفية، أن تراجع معدل التضخم السنوي إلى 11.8% في ديسمبر يمثل تحولًا مهمًا في المسار السعري للاقتصاد، لكنه لا يمكن اعتباره نهاية كاملة لدورة التضخم المرتفعة، بقدر ما يعكس بداية مرحلة جديدة تختبر صلابة السياسة النقدية وقدرتها على تثبيت توقعات الأسعار على المدى المتوسط.
وتوضح أن الانخفاض الأخير جاء نتيجة تفاعل عدة عناصر، في مقدمتها أثر سنة الأساس، وامتصاص الصدمات السعرية السابقة، وتراجع حدة الضغوط المرتبطة بالعرض، إلا أن السؤال الجوهري لا يتعلق بما تحقق، بل بمدى استدامته خلال عام 2026.
وتؤكد شيماء وجيه، أن اقتراب التضخم من مستهدفات البنك المركزي خلال 2026 يظل سيناريو ممكنًا، لكنه مشروط باستمرار الانضباط النقدي، وتماسك السياسة المالية، وتحسن بيئة العرض المحلي، مؤكدة أن الرهان الحقيقي لا يكمن في رقم التضخم ذاته، بل في تثبيت اتجاهه النزولي وتحويل استقرار الأسعار إلى قاعدة لنمو اقتصادي مستدام.
ويؤكد الدكتور أشرف غراب، الخبير الاقتصادي ونائب رئيس الاتحاد العربي للتنمية الاجتماعية، أن استدامة تراجع معدل التضخم تؤكد أنه يسير في طريقه للتراجع خلال الشهور المقبلة، مدعومًا بعدد من العوامل الإيجابية.
ويتوقع غراب استمرار تراجع التضخم خلال عام 2026، متأثرًا باستقرار سعر صرف العملة الأجنبية مقابل الجنيه خلال الشهور الماضية، مع توقعات بتراجع سعر صرف الدولار خلال الفترة المقبلة نتيجة استمرار ارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي بلغ نحو 51.452 مليار دولار بنهاية ديسمبر الماضي.
ويشير إلى أن مصر شهدت تدفقات دولارية مهمة، من بينها سيولة تقدر بنحو 3.5 مليار دولار من الصفقة المصرية القطرية، إضافة إلى السيولة المتوقعة من المراجعتين الخامسة والسادسة لصندوق النقد الدولي، والشريحة الثانية من دعم الاتحاد الأوروبي المقدرة بنحو 4 مليارات يورو.
ويرجح غراب أن يؤدي تباطؤ التضخم إلى الاقتراب من مستهدفات الحكومة عند مستوى (7% ±2) خلال الربع الأخير من عام 2026، وفقًا للمؤشرات الحالية، متوقعًا أن تتجه لجنة السياسة النقدية إلى خفض أسعار الفائدة لدعم الاستثمار والإنتاج، مع التأكيد على أن هذا المسار يظل مرهونًا بمدى هدوء التوترات الجيوسياسية العالمية.





