
شهدت الأوساط الاقتصادية ومنصات التواصل الاجتماعي حالة من الجدل الكبير بعد تجديد رجل الأعمال حسن هيكل طرح رؤيته التي أثارت الجدل حول ما وصفه بـ «المقايضة الكبرى»، والتي تتمثل في شطب الدين العام المحلي بالكامل مقابل أصول الدولة، وتسببت المبادرة في حالة من الخلاف بين الاقتصاديين بين من يراها حلًا جذريًا لا مفر منه، ومن يعتبرها تهديدًا مباشرًا لاستقرار النظام المصرفي ومدخرات المواطنين ومصداقية الدولة المالية.
*بداية القصة*
أعاد حسن هيكل طرح رؤيته التي سبق أن قدمها إلى رئيس مجلس الوزراء، معتبرًا أن الدين العام المحلي بلغ مرحلة غير قابلة للاستمرار، وشبه هيكل وضع الدولة بشركة غارقة في الديون، تلتهم خدمة الدين الجزء الأكبر من إيراداتها، ما يضغط بشدة على الإنفاق العام، ويقيد قدرة الدولة على تمويل القطاعات الأساسية.
واستند هيكل في طرحه إلى أربعة مشاهد تحليلية؛ أولها أن الفوائد أصبحت تستنزف الإيرادات، وثانيها أن تدخل البنوك المركزية لإنقاذ الاقتصاد الكلي ليس أمرًا استثنائيًا، مستشهدًا بتجربة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في أزمة 2008.
أما المشهد الثالث فركز فيه على تضخم أرباح البنوك التجارية، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا منها تحقق نتيجة توظيف السيولة في أدوات الدين الحكومي بعوائد مرتفعة، ما فاقم أعباء الفائدة على الدولة، وفي المشهد الرابع، ربط هيكل بين استمرار رفع أسعار الفائدة وجذب الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين، وليس فقط بمكافحة التضخم.
وفي ختام طرحه اقترح هيكل بيع أصول الدولة إلى البنك المركزي مقابل تصفير الدين المحلي، مع نقل هذه الأصول إلى كيان سيادي يُدار باحتراف وتوجيه الوفورات الناتجة عن خفض خدمة الدين إلى التعليم والصحة والبحث العلمي.
في المقابل جاء الرد حادًا من المصرفي هشام عز العرب رئيس مجلس إدارة البنك التجاري الدولي – مصر، الذي وصف مقترح المقايضة بأنه بمثابة «إعلان إفلاس صريح»، وتساءل عز العرب عن كيفية تنفيذ هذا السيناريو في ظل امتلاك الأجانب لنحو 40% من أذون الخزانة، محذرًا من أن الفكرة تعني عمليًا مصادرة أموال المودعين ومنحهم أصولًا بديلة في وقت يعاني فيه المواطنون من ضغوط معيشية متزايدة.
وأكد عز العرب أن هذه الطروحات تنطوي على «خطورة شديدة»، لأنها لا تراعي التداعيات الكلية على الاقتصاد، مشددًا على أن مصر لم تتخلف يومًا عن سداد «مليم واحد» من التزاماتها وهو ما يمثل ركيزة أساسية لقوة الدولة ومصداقيتها.
*هيكل يعيد الرد بلغة الأرقام*
عاد حسن هيكل للرد على الانتقادات مؤكدًا أن لغة الأرقام تفرض واقعًا بالغ الصعوبة، موضحًا أن الدين العام المحلي يقترب من 13 تريليون جنيه، مقابل إيرادات موازنة لا تتجاوز 3 تريليونات جنيه.
وأضاف أنه حتى في حال خفض سعر الفائدة إلى 17% فإن خدمة الدين ستظل تلتهم ما بين 70% و80% من الإيرادات العامة، معتبرًا أن أدوات إدارة الأصول التقليدية لم تعد كافية لمعالجة أزمة بهذا الحجم، وأن «المقايضة الكبرى» تمثل – من وجهة نظره – الخيار الوحيد المتبقي.
*آراء الخبراء تتباين*
أيد الدكتور محمد فؤاد الخبير الاقتصادي موقف عز العرب، مؤكدًا أن مقترح تصفير الدين عبر المقايضة يفتقر إلى تقدير دقيق لتداعياته على الاستقرار النقدي والمالي، موضحًا أن علوم الإدارة والاقتصاد لا تعرف «المعجزات الوقتية»، وأن الحلول الشكلية لا تعوض غياب العمل الهيكلي الحقيقي، واصفًا هذه الأطروحات بأنها «إرهاصات بدائية الصنع».
وحذر من أن استمرار النهج الحالي دون تغيير جذري في السياسات الاقتصادية سيؤدي في النهاية إلى نفس النتائج، مؤكدًا أن إدارة الاقتصاد لا يجب أن تقوم على مبادرات مفاجئة بل على الالتزام الصارم بأساسيات العلم.
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي أحمد أبو السعد أن تنفيذ مقترحات المقايضة سيضرب مصداقية مصر أمام المستثمرين لسنوات طويلة لأن المستثمر يتوقع استرداد أمواله وعوائدها نقدًا، وليس في صورة أصول أو مشروعات، ووصف أبو السعد فكرة تحويل ديون البنوك إلى أصول غير سائلة بأنها «فرضية تدميرية»، لأنها ستجعل البنوك عاجزة عن تلبية طلبات المودعين الذين يحتاجون إلى السيولة النقدية لتغطية إنفاقهم اليومي.
وأشار إلى أن الحلول الآمنة تكمن في تشجيع القطاع الخاص ورفع كفاءة التحصيل الضريبي، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، لافتًا إلى أن نسبة الدين المصري إلى الناتج المحلي (85–87%) تظل أقل من دول متقدمة مثل اليابان التي يتجاوز دينها 200%، إلا أن الفارق الحقيقي يكمن في جدية الإصلاح الهيكلي والاستدامة المالية.
*خروج عن أبجديات الاقتصاد*
فيما وصف الخبير الاقتصادي هاني توفيق مقترح المقايضة الشاملة بأنه «خروج عن أبجديات الاقتصاد»، مؤيدًا تحذيرات عز العرب وأكد أنه لا يمكن إجبار مودع يطالب بعوائده المالية على استلام أصول غير سائلة، قائلاً إن «العبرة ليست بنسبة الدين للناتج المحلي بل بالقدرة على السداد والإنتاج».
وكشف توفيق أن الدولة تقترض أسبوعيًا ما بين 200 و250 مليار جنيه، وهو ما يستوجب التركيز على التصنيع والتصدير بدلًا من حلول وصفها بأنها «يأنف العقل عن نقدها لعدم منطقيتها».
*مقايضات انتقائية بأصول مدرة للعائد*
فيما رأى الدكتور هاني جنينة الخبير الاقتصادي أن الآلية الأكثر فاعلية تتمثل في مبادلة جزء من المديونية بأصول مدرة لعوائد دورية ومستدامة بحيث تنتقل ملكية هذه الأصول إلى البنوك الوطنية الكبرى وفق تقييم عادل بما يضمن استمرار تحقيق العائد اللازم لسداد الودائع وفي الوقت نفسه خفض الدين المحلي، موضحًا أن من أبرز الأصول القابلة للمبادلة رسوم الطرق عبر تحويل منافذ الرسوم على مستوى الجمهورية إلى شركة يتم تقييمها والتنازل عنها للبنوك الدائنة لفترات زمنية محددة مقابل شطب أجزاء من الديون، فضلًا عن الموانئ حيث يمكن نقل ملكيتها من وزارة المالية إلى البنك الأهلي أو بنك مصر مقابل شطب مديونيات قائمة فضلًا عن أصول أخرى متعددة مدرة للعائد.





