
بينما يتجه العالم بخطى متسارعة نحو الزراعة الذكية والرقمية، مستخدمًا الذكاء الاصطناعي لضبط الري والتسميد ومكافحة الآفات، ما تزال مساحات واسعة من الحقول المصرية في وادي النيل والدلتا تعتمد على أساليب تقليدية لم تتغير كثيرًا عبر قرون طويلة.
فجوة تقنية عميقة كشف عنها خبراء الموارد المائية والاقتصاد الزراعي، مؤكدين أن أحلام التحديث تصطدم بواقع تفتت الحيازات الزراعية، وارتفاع نسب الأمية، وضعف الإمكانيات الاقتصادية للفلاحين، ما جعل الميكنة الحديثة حكرًا على المشروعات الصحراوية الكبرى.
وفي هذا السياق، قال الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي بكلية الزراعة جامعة القاهرة، إن الزراعة في مصر ما تزال متأخرة وتعتمد على وسائل بدائية، نتيجة عوامل اقتصادية حالت دون اللحاق بركب التطور الزراعي العالمي، موضحًا أن العالم انتقل من الزراعة التقليدية إلى الذكية ثم الرقمية وصولًا إلى استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما ما تزال مصر تبحث عن أولى خطوات الدخول إلى هذه المنظومة.
وأضاف نور الدين، في تصريحات خاصة لـ”البورصجية”، أن الزراعة الذكية تعتمد على استخدام البرمجيات والحساسات التي تُزرع في التربة لقياس الرطوبة واحتياجات الري، حيث ترسل إشارات إلى وزارة الري، التي تُخطر بدورها المزارعين المسجلين عبر هواتفهم المحمولة بمواعيد الري، مع إغلاق المحابس تلقائيًا فور اكتفاء الأرض من المياه، لمنع الهدر.
وتابع: أن هذه الحساسات تقيس أيضًا مخزون العناصر الغذائية في التربة، لتحديد احتياجات المحصول من الأسمدة، فضلًا عن استخدام الطائرات المسيرة “الدرون” لرصد الإصابات الحشرية والمرضية، وإرسال البيانات للوحدات الزراعية لتحديد نوع المبيد المناسب، بما يجعل العملية الزراعية آلية بالكامل ويقلل الجهد اليدوي ويحد من إهدار الموارد.
وأشار نور الدين إلى أن الزراعة الرقمية تمثل مرحلة أكثر تقدمًا، حيث تتوافر جميع البيانات على هاتف المزارع أو عبر شبكات تحكم مركزية في المشروعات الكبرى، تشمل مواعيد الري والتسميد ونضج المحصول والحصاد.
واعتبر أن الحديث عن الذكاء الاصطناعي في الزراعة قبل المرور بمرحلتي الزراعة الذكية والرقمية يمثل قفزًا غير منطقي، خاصة في ظل ارتفاع نسبة الأمية إلى نحو 30%، وتسرب أبناء المزارعين من التعليم نتيجة ارتفاع تكاليفه.
وأوضح أن ضعف الميزانيات المخصصة لوزارتي الزراعة والري، وفقًا لتقارير المنظمة العربية للتنمية الزراعية، أدى إلى استخدام نصف كمية الأسمدة والآلات مقارنة بالمعدلات العالمية، ما انعكس على الإنتاجية التي لا تتجاوز في كثير من المحاصيل 50% إلى 70% من المتوسط العالمي، باستثناء الأرز وقصب السكر.
وأكد أن تطبيق الزراعة الذكية ما يزال محدودًا للغاية ولا يمكن تنفيذه حاليًا إلا في الأراضي الصحراوية التي تبدأ مساحاتها من 50 فدانًا فأكثر، بسبب أزمة تفتت الحيازات في الوادي والدلتا، حيث يمتلك 50% من المزارعين أقل من فدان واحد، و70% إلى 90% أقل من ثلاثة أفدنة، ما يدفع الفلاح الصغير لتعدد المحاصيل داخل المساحة الضيقة لضمان أي عائد.
واقترح نور الدين أن الحل يكمن في تنفيذ مشروع تجميع زراعي شامل عبر إنشاء “بنك الأراضي” لتجميع المساحات المتجاورة وزراعتها بمحصول موحد، مؤكدًا أن الأراضي الصحراوية، التي تبلغ مساحتها نحو 3 ملايين فدان، تظل الأكثر جاهزية لاستيعاب الزراعة الحديثة.
من جانبه، قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي: إن مصر دولة زراعية بطبيعتها، لكنها ما تزال بعيدة عن تعميم مفهوم الزراعة الذكية، حيث يقتصر تطبيقه على عدد محدود من الشركات الكبرى، بينما يعتمد نحو 90% من المزارعين على الأساليب التقليدية.
وأوضح، أن تعميم الزراعة الذكية في القرى والمساحات الصغيرة يواجه تحديات ثقافية واقتصادية، مرجحًا أن يكون أكثر قابلية للتطبيق لدى الأجيال القادمة، مع ضرورة تطوير ميكنة صغيرة تناسب الحيازات المحدودة، والاستفادة من ابتكارات الشباب وبراءات الاختراع المحلية، باعتبارها الطريق الأهم لتحديث الزراعة المصرية بشكل شامل ومستدام.





