من “حالو يا حالو” إلى الفانوس.. حكاية طقوس رمضانية عمرها آلاف السنين

من “حالو يا حالو” إلى الفانوس.. حكاية طقوس رمضانية عمرها آلاف السنين
مشاركة المقال:
حجم الخط:

تحتل أغاني رمضان مكانة خاصة في الوجدان المصري إذ تمثل أحد أبرز مظاهر البهجة الشعبية المصاحبة لقدوم الشهر الكريم، ومع حلول ليالي رمضان، تتردد في الشوارع أصوات الأطفال وهم يحملون الفوانيس وينشدون الأغاني التقليدية التي توارثتها الأجيال، في مشهد يعكس روح الاحتفال المتجذرة في المجتمع.

وتعد هذه الأغاني بما تحمله من كلمات وألحان بسيطة تخفي وراءها تاريخًا طويلًا من التراكم الحضاري، يعكس تعاقب الثقافات والحضارات التي مرت على مصر وأسهمت في تشكيل هويتها الرمضانية الفريدة.

أغنية “حالو يا حالو”.. جذور تاريخية عميقة

كشفت الدكتورة فاتن صلاح عضو هيئة خبراء التراث العرب واتحاد الأثريين المصريين أن بعض الأغاني الرمضانية المتداولة حاليًا تعود جذورها إلى آلاف السنين، مؤكدة أن أغنية “حالو يا حالو” التي يرددها الأطفال خلال شهر رمضان، ليست مجرد أغنية شعبية حديثة، بل تمتد أصولها إلى عصور مصر القديمة.

وأوضحت أن كلمات الأغنية تضم مفردات تنتمي إلى اللغة المصرية القديمة والقبطية، كما دخلت عليها عبر العصور تأثيرات فارسية وتركية وعربية، وهو ما يجعلها شاهدًا حيًا على التداخل الثقافي الذي شهدته مصر عبر تاريخها الطويل.

وأضافت أن استمرار تداول هذه الأغنية حتى اليوم يعكس قوة الذاكرة الشعبية وقدرتها على حفظ التراث ونقله عبر الأجيال.

دلالات لغوية ومعانٍ حضارية

وأشارت فاتن صلاح إلى أن كلمة “حالو” الواردة في الأغنية تعود في أصلها إلى اللغة المصرية القديمة، وكانت تُستخدم للدلالة على الشخص الكبير أو المهيب، وهو ما يكشف عن بُعد لغوي عميق يتجاوز الاستخدام المعاصر للكلمة.

وأكدت أن هذا الامتزاج بين اللغة والموسيقى يعكس استمرارية حضارية واضحة، حيث بقيت بعض المفردات حاضرة في الثقافة الشعبية رغم تعاقب العصور وتغير اللغات الرسمية.

كما لفتت إلى أن الأغنية ارتبطت في بداياتها باحتفالات ومناسبات لدى قدماء المصريين، وأن الأطفال في مصر ظلوا يرددونها على مدار ما يزيد على 3500 عام، في صورة تعكس التواصل التاريخي بين الماضي والحاضر.

الفانوس.. من طقوس المصريين القدماء إلى رمز رمضاني

وتطرقت عضو هيئة خبراء التراث العرب إلى أصل الفانوس المرتبط بشهر رمضان، موضحة أن المصريين القدماء عُرفوا بعشقهم للمواكب والاحتفالات الدينية، حيث كانت المصابيح والفوانيس تُستخدم في الطقوس والمواكب التي تُقام على ضفاف نهر النيل، في مشاهد احتفالية مبهرة تعكس تقديسهم للنور والاحتفال.

وأضافت أنه مع دخول العصر الفاطمي إلى مصر أصبح الفانوس رمزًا مرتبطًا بشهر رمضان بشكل خاص، حيث ارتبط بالمواكب التي كانت تُنظم احتفالًا برؤية الهلال واستقبال الشهر الكريم.

ومنذ ذلك الحين، ترسخت عادة حمل الفانوس في ليالي رمضان، وتحول إلى أحد أبرز الرموز الشعبية المرتبطة بالشهر الفضيل، واستمرت هذه العادة حتى يومنا هذا.

تراث رمضاني يعكس هوية شعب

وأكدت “صلاح” أن الأغاني الرمضانية والفانوس المصري يمثلان نموذجًا واضحًا لتلاحم الحضارات التي تعاقبت على مصر، بدءًا من الحضارة المصرية القديمة، مرورًا بالعصور اليونانية والرومانية، ثم الإسلامية والفاطمية، وصولًا إلى العصر الحديث.

وأوضحت أن هذا التراكم الحضاري أسهم في تشكيل ملامح التراث الرمضاني الذي نراه اليوم.

وشددت على أن الحفاظ على هذه المظاهر الشعبية لا يقتصر على كونها طقوسًا احتفالية، بل هو حفاظ على جزء من الهوية الثقافية المصرية، التي تتميز بقدرتها على استيعاب التأثيرات المختلفة وصياغتها في قالب شعبي بسيط يعبر عن روح المجتمع وخصوصية احتفاله بشهر رمضان.

مقالات مقترحة

عرض الكل